تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
يشكل المشروع النووي وتخصيب ومصير اليورانيوم والمفتشون الدوليون "عُقداً أربعاً" في مسار المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، كما أنها تهدد الاتفاق الإطاري الموقع بين الطرفين، وتمثل عقبة رئيسية أمام مهلة الـ 60 يوماً، فضلاً عن أنها تُبرز الأزمة المركبة التي تمس توازنات القوى بين واشنطن وطهران، وهو الأمر الذي يستلزم المزيد من المرونة في تلك الملفات لإعادة الثقة بين الطرفين، بحسب خبراء.
أزمة ثقة بين الطرفين
واعتبر الدكتور هاني سليمان، الباحث في الشأن الإيراني، أنه بالرغم من أن الاتفاق الإطاري الموقع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران يتسم بالمرونة، فإن إعادة الثقة بين الطرفين في الملفات الأربعة تتسم بالتعقيد وتواجه العديد من التحديات الداخلية والإقليمية والدولية، كما أن الساعات الماضية من المفاوضات بين الطرفين الأمريكي والإيراني شهدت تناقضات واسعة وتطويعاً لبنود الاتفاق من كلا الجانبين بما يخدم الاستهلاك المحلي وتسويقه لمواطني وناخبي الطرفين.
المعضلة النووية
وتابع د. هاني أن تفكيك المشروع النووي الإيراني يعد المعضلة الأكثر تعقيداً، والتي تحدد موازين القوى بين واشنطن وطهران، حيث إن عملية تفكيك البنية التحتية للمشروع النووي الإيراني تمثل اللغم الأكبر في مسار التفاوض؛ إذ يرتكز الالتزام الأساسي في الاتفاق الإطاري على ضمانات قطعية تمنع طهران من حيازة السلاح النووي، سواء عبر نافذة التصنيع المحلي أو قنوات الشراء الخارجي، وهو الأمر الذي تواجهه تعقيدات لوجستية وفنية بالغة الحساسية، إلى جانب معارضة شرسة من جنرالات الحرس الثوري الذين يرفضون تقديم تنازلات تمس ما يصفونه بـ"صمام الأمان الاستراتيجي".
وكشف أن الخيارات التقنية تتأرجح بين التفكيك الجزئي لأجهزة الطرد المركزي المتطورة، وتعديل المسارات الهندسية للمنشآت الحصينة مثل "فوردو" و"نطنز" لتحويلها إلى مراكز بحثية، وهي إجراءات تتطلب رقابة صارمة ومستمرة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية لضمان عدم ارتداد طهران نحو مستويات التخصيب العسكرية مجدداً إذا ما انهار الاتفاق.
وأشار إلى أن هذا الأمر مرتبط بالتخلص من مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب وسيناريوهات مصير هذا اليورانيوم، حيث تبرز عدة سيناريوهات، على رأسها نقل اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى خارج الأراضي الإيرانية كحل وسيط ومقبول دولياً لتقليص زمن "الاختراق النووي" إلى الصفر، وتتجه الأنظار هنا نحو روسيا كوجهة تاريخية استقبلت شحنات سابقة، أو نحو قوى إقليمية ودولية أخرى مثل الصين وتركيا أو باكستان.
ونوه إلى أنه بموجب هذا السيناريو يتم شحن المخزونات الحساسة تحت إشراف دولي مشدد لضمان عدم توظيفها عسكرياً، مقابل حصول طهران على عوائد اقتصادية وضمانات سياسية.
مبادلة المخصب بالطبيعي
وأوضح أن سيناريو مبادلة مخزون اليورانيوم المخصب بيورانيوم طبيعي أو وقود نووي منخفض التخصيب ومناسب لتشغيل مفاعلات الطاقة السلمية والأبحاث الطبية في إيران مطروح أيضاً، وتعتبره طهران حلاً يحفظ حقها المعلن في الطاقة السلمية ويسحب فتيل الصدام العسكري مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.
وأشار إلى أنه على الجانب المقابل هناك سيناريو يتبناه التيار المتشدد في طهران فيما يخص اليورانيوم، ويتمثل في المطالبة بالإبقاء على مخزون اليورانيوم داخل الحدود الإيرانية، مع طرح صيغ تقنية بديلة مثل خفض درجة النقاء من 60% إلى مستويات منخفضة لا تتجاوز 5% تحت رقابة كاميرات الوكالة الدولية.
ورقة ضغط
وشدد د. هاني على أن القيادة الإيرانية ترى في بقاء هذا المخزون على أراضيها ورقة ضغط استراتيجية لا غنى عنها لضمان التزام واشنطن برفع العقوبات وعدم النكوص عن التعهدات مجدداً، كما يمثل بقاؤه قيمة علمية وصناعية كبيرة تدعم طموحات إيران لإنتاج النظائر المشعة الطبية وتأمين وقود طويل الأمد لمحطة "بوشهر" والمفاعلات المستقبلية، بما يمنح الدولة اكتفاءً ذاتياً ويحصن مشروعها القومي أمام الضغوط الخارجية.
واعتبر أن الاستفادة الحقيقية لإيران من هذه السيناريوهات تتوقف على الموازنة الدقيقة بين العوائد الاقتصادية والمكاسب السياسية؛ فنقل المخزون إلى الخارج قد يحرر الاقتصاد الإيراني من حصار العقوبات المصرفية والنفطية ويجلب استثمارات بمليارات الدولارات، لكنه يجرد طهران من أقوى أوراق قوتها الردعية، بينما يمنحها الاحتفاظ باليورانيوم داخلياً نفوذاً سياسياً مستداماً في مواجهة أي إدارة أمريكية قادمة، لكنه يضعها تحت مقصلة العقوبات الدائمة ويزيد احتمالات التعرض لضربات عسكرية إسرائيلية مباغتة، وهو ما يجعل ملف التخلص من اليورانيوم المخصب بمثابة الخيط الرفيع الفاصل بين السلام الإقليمي والانفجار الشامل.
الالتزام الذي لا يقبل الجدل
واختتم د. هاني سليمان حديثه بقوله إن الالتزام الأساسي الذي لا يقبل الجدل هو عدم حصول إيران على قنبلة نووية، سواء بالإنتاج أو الشراء، لكن عملية التخلص من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% أو الغبار النووي تبقى مسألة معقدة تخضع لتجاذبات فنية ولوجستية بين الوكالة الدولية والحرس الثوري الإيراني، وتُعد "النقطة الملغمة" التي قد تعيق الاتفاق بالكامل.
ملف التفتيش
من جانبه، اعتبر الباحث في الشأن الإيراني علي رجب أن اتساع الخلاف حول أبعاد المواقف الأمريكية والإيرانية بشأن مستقبل المشروع النووي، وتخصيب ونقل ومصير اليورانيوم، وآليات عمل المفتشين الدوليين، ربما يعرقل الوصول إلى نتائج مرضية خلال المفاوضات الجارية حالياً في إطار مهلة الـ 60 يوماً.
وأشار إلى أن ملف التفتيش الدولي وصلاحيات الوكالة الذرية يعد من أعقد الملفات الأربعة، حيث ينظر إليه القائمون على البرنامج النووي الإيراني بريبة وشك، خاصة تجاه الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ويتهمونها بالانحياز والتجسس، فيما تصر طهران على تعاون محدود معها، وتربط العودة إلى البروتوكول الإضافي برفع العقوبات، مع تقييد الوصول إلى بعض المواقع تحت ما تسميه "السيادة الوطنية".
الـ 60 يوماً الحاسمة
ونوه إلى أن هذا الإصرار يقابله، على الجانب الآخر، موقف حاسم من الولايات المتحدة الأمريكية والوكالة الدولية للطاقة الذرية والترويكا الأوروبية الممثلة في فرنسا وألمانيا وبريطانيا، يقوم على منح المفتشين صلاحيات وصول فوري وغير مقيد إلى جميع المواقع، وحل ملف الأنشطة السابقة غير المعلنة، ووضع آليات تحقق صارمة، وهو ما يزيد من تعقيد هذا الملف.
واختتم علي رجب حديثه بقوله إن الموقف الإيراني يربط أي نجاح في الملفات الأربعة برفع العقوبات، سواء المصرفية أو النفطية، وفك تجميد الأصول الإيرانية دفعة واحدة أو على مراحل، مع تقديم ضمانات قانونية بعدم انسحاب واشنطن من الاتفاق مستقبلاً كما حدث عام 2018، وهو أمر تنظر إليه إدارة ترامب برؤية مغايرة تقوم على الرفع التدريجي والمشروط للعقوبات، بالتوازي مع إنهاء المشروع النووي وحسم مصير اليورانيوم المخصب.
فهل ستتوصل الدولتان إلى رؤية توافقية ثالثة تنهي هذا الصراع؟ هذا ما ستجيب عنه مفاوضات الـ 60 يوماً الجارية.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية