تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > News List > سبوت : من مشتقات البترول إلى موائد الأطفال.. الوجه الآخر لـ «الأحمر رقم 3»
source icon

سبوت

.

من مشتقات البترول إلى موائد الأطفال.. الوجه الآخر لـ «الأحمر رقم 3»

كتب:سعاد طنطاوي

في عالم صناعة الغذاء، ليس كل ما يلمع أو يبدو زاهياً يكتسي بالسلامة؛ فخلف اللون الأحمر الساطع الذي يجذب الأطفال والكبار في قطع السكاكر والكرز المعلب والمشروبات الغازية، تختبئ واحدة من أكثر المواد الكيميائية إثارة للجدل خلال العقود الأخيرة؛ صبغة "Red No. 3" أو ما تُعرف علمياً باسم "الإريثروسين".

هذه المادة، التي طالما منحت المنتجات الغذائية بريقاً تجارياً جاذباً، باتت اليوم تواجه حصاراً تشريعياً ورقابياً غير مسبوق في الولايات المتحدة الأمريكية، معقل الصناعات الكبرى.

فبينما يقف المستهلك حائراً أمام مفارقة رقابية غريبة سمحت لسنوات بابتلاع هذه الصبغة في الطعام، بينما تحظرها القوانين نفسها في مستحضرات التجميل لحماية الجلد، استبقت ولاية كاليفورنيا الجميع بقرارات حاسمة وضعت قطاع التصنيع الغذائي العالمي أمام خيار حتمي إما التغيير الجذري للتركيبات أو الإقصاء التام من الأسواق.

هذا التقرير يناقش الجدل حول صبغة "Red No. 3" باعتبارها واحدة من "السموم الملونة" التي انتشرت التحذيرات من استخدامها خلال الفترة الأخيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، ويرصد زوايا التناقض الرقابي والمخاطر الصحية المثبتة التي استنفرت الهيئات الطبية، والبدائل المتاحة لضمان أمن غذائي حقيقي، كما يستعرض الموقف الفعلي لتداول هذه الصبغة في الأسواق المصرية.

من مشتقات البترول إلى المائدة
يُعرف المركب علمياً باسم "إريثروسين" (Erythrosine)، وهو مركب عضوي صناعي ينتمي إلى عائلة مركبات "الفلورون" (Fluorone)، ويحتوي تركيبه الجزيئي على نسبة عالية من اليود، أما تجارياً فيُعرف باسم "الأحمر رقم 3"، ويُعرف في الأسواق الأمريكية والبريطانية باسم (FD&C Red No. 3)، كما يُصنف في جداول المضافات الغذائية الأوروبية تحت الرمز الشهير E127.

وعلى عكس الألوان الطبيعية المستخرجة من النباتات، فإن "الأحمر رقم 3" صبغة اصطناعية بالكامل تُصنع من قطران الفحم والمشتقات البترولية، وعملية التصنيع الكيميائية المعقدة هذه هي التي تمنحها ثباتاً فائقاً ضد الحرارة والضوء، وهو السبب الرئيسي الذي جعل المصانع تفضلها لعقود طويلة بسبب رخص ثمنها وقوة تلوينها مقارنة بالبدائل الطبيعية.

وتخضع هذه الصبغة لتصنيفات متباينة في الجداول الدولية تعكس حجم القلق المرتبط بها، فعلى سبيل المثال:
الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية (EFSA): جعلت صبغة E127 مقيدة بشدة منذ سنوات طويلة، حيث يُحظر استخدامها في الاتحاد الأوروبي في معظم الأطعمة والمشروبات، ويُسمح بها فقط في نطاق ضيق جداً مثل الكرز المعلب الملون، نظراً لصرامة معايير السلامة الأوروبية.
هيئة دستور الأغذية العالمي (Codex Alimentarius): تُصنف الأحمر رقم 3 ضمن المضافات الغذائية ذات الاستخدام المشروط بحدود قصوى صارمة للغاية، يُعبر عنها بالجرعة اليومية المقبولة، والتي تقلصت مؤخراً لتقترب من الصفر مع توالي قرارات الحظر.

التناقض التشريعي الأكبر
تمثل صبغة "Red No. 3" واحدة من أغرب المفارقات في تاريخ الرقابة الصحية، وتعود جذور هذه المفارقة إلى عام 1990، عندما اتخذت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) قراراً بحظر استخدام هذه الصبغة في مستحضرات التجميل والأدوية الموضعية، مثل أحمر الشفاه وبلسم الشفاه، استناداً إلى دراسات علمية أثبتت أن الجرعات العالية من هذه المادة تسببت في إصابة فئران التجارب بأورام في الغدة الدرقية.

لكن المفاجأة التي لم يجد لها خبراء الصحة تفسيراً منطقياً طوال عقود، أن الحظر لم يمتد آنذاك إلى قطاع الأغذية والمشروبات، فظل النظام القانوني يسمح للشركات باستخدام المادة نفسها في المنتجات التي يبتلعها الإنسان، وعلى رأسها حلويات الأطفال والمكملات الغذائية.

هذا التراخي الرقابي الطويل فجّر موجة من الضغوط الصحية والحقوقية، حيث قادت منظمات مدنية كبرى، مثل "مركز العلوم في المصلحة العامة" (CSPI)، حملات مكثفة لمطالبة الهيئات الفيدرالية بسد هذه الفجوة القانونية، معتبرة أن حماية أجهزة الإنسان الداخلية أولى من حماية بشرته الخارجية.

زلزال كاليفورنيا 
أمام التباطؤ الرقابي على المستوى الفيدرالي، أحدثت ولاية كاليفورنيا الأمريكية هزة تشريعية غير مسبوقة. ففي أكتوبر 2023، وقع حاكم الولاية على "قانون كاليفورنيا لسلامة الأغذية" التاريخي (AB 418)، والذي حظر استخدام أربع مواد كيميائية مضافة، على رأسها "الأحمر رقم 3"، مانحاً الشركات مهلة لتعديل مكوناتها حتى الأول من يناير 2027.

وبفعل الثقل الاقتصادي الكبير للولاية والضغوط المستمرة، أحدث القرار ما يشبه "تأثير الدومينو"، إذ لم تنتظر الهيئة الفيدرالية حتى عام 2027، وأصدرت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) في 15 يناير 2025 قراراً تاريخياً بإلغاء تصريح استخدام صبغة "Red No. 3" في جميع الأغذية والأدوية التي تُبتلع داخل الولايات المتحدة، مع منح المصانع مهلة للمطابقة تنتهي في 15 يناير 2027 للأغذية، ويناير 2028 للأدوية، ليصبح عام 2027 موعد الحظر الفعلي الشامل للصبغة في الولايات المتحدة.

المخاطر العلمية المثبتة
لم يكن الحظر التشريعي وليد مخاوف عابرة، بل جاء تتويجاً لعقود من الأبحاث الطبية التي تنقسم مخاطرها إلى محورين رئيسيين:

الاضطرابات السلوكية وفرط الحركة لدى الأطفال: أعادت التقييمات الحديثة الصادرة عن مكتب تقييم المخاطر الصحية البيئية (OEHHA) تسليط الضوء على الأثر العصبي والنفسي للصبغات الاصطناعية، إذ أظهرت الدراسات أن استهلاك الأطفال لصبغة "Red No. 3" قد يسهم في تحفيز الاضطرابات السلوكية وتفاقم أعراض فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، بالإضافة إلى زيادة مستويات القلق والعدوانية لدى الأطفال الأكثر حساسية.

الأورام وسرطان الغدة الدرقية: من الناحية الفسيولوجية، تحتوي صبغة "الأحمر رقم 3" على نسبة مرتفعة من اليود العضوي. وقد أظهرت التجارب المعملية طويلة الأمد على الحيوانات أن التعرض المستمر لها قد يؤدي إلى خلل هرموني يحفز خلايا الغدة الدرقية بشكل مفرط، ما يرتبط بظهور أورام حميدة وخبيثة في الغدة الدرقية لدى فئران التجارب.

وللوقوف على الواقع التشريعي والتطبيقي في مصر، حملنا هذه المعطيات إلى عدد من أبرز خبراء سلامة الغذاء والتغذية العلاجية، الذين كشفوا تفاصيل متباينة حول مدى تداول هذه الصبغة وآليات الرقابة عليها.

التراكمية هي الخطر الحقيقي
يؤكد الدكتور إبراهيم عبد الحكيم، استشاري التغذية العلاجية والمدرس بالجامعة الحديثة، أن الأحمر رقم 3 لا يزال يُستخدم في مصر بالنسب المسموح بها كمكسب لون، وإن كان استخدامه يتم بنسبة ضئيلة جداً، إلا أنها تظل محل قلق صحي لكونه مصنوعاً من مواد غير عضوية.

وحذر من خطورة الأثر التراكمي قائلاً إن استخدام الأحمر رقم 3، حتى وإن كان بنسب ضئيلة للغاية، قد لا يظهر أثره فوراً، إلا أن تراكمه مع كثرة الاستهلاك وبمرور الوقت قد يؤدي إلى آثار جانبية خطيرة، وهو ما دفع العديد من الجهات الرقابية حول العالم إلى إعادة تقييم مخاطره الصحية وتشديد القيود على استخدامه.

ويوضح استشاري التغذية أهمية التفرقة بين صبغات إكساب اللون، ومكسبات الطعم، ومكسبات الطعم والرائحة الجاذبة كما يحدث في بعض الأدوية والمطاعم التي تضيف روائح مصنعة للمخبوزات، مثل رائحة السمن البلدي أو بعض التوابل الصناعية.

ثورة الألوان الطبيعية 
ويقول د. إبراهيم إن الحصار الدولي المفروض على "الأحمر رقم 3" دفع كبريات الشركات العالمية والمحلية إلى الاتجاه نحو البدائل الطبيعية والمستخلصات النباتية الآمنة، ومن أبرزها:
مستخلص الشمندر (البنجر)، الذي يمنح لوناً أحمر داكناً ومميزاً.
مسحوق الجزر الأسود، الذي يوفر ثباتاً ممتازاً للون الأحمر والبنفسجي في البيئات الحمضية.
صبغة الليكوبين المستخلصة من الطماطم.
مستخلصات التوت والفراولة والكركديه.

ورغم أن البدائل الطبيعية تفرض تكاليف إنتاجية أعلى وتحديات تتعلق بثبات اللون أمام الحرارة، فإنها أصبحت ميزة تنافسية مهمة للشركات الراغبة في الاستمرار بأسواق المستقبل.

وينصح بضرورة تغيير السلوك الغذائي للأسرة، وعدم الإفراط في استهلاك الأطعمة التي تحتوي على ألوان صناعية، مثل الزبادي الملون، ومكعبات النكهة، والمقرمشات المنكهة، داعياً إلى العودة إلى المكسبات الطبيعية مثل الملح والليمون والخل.

ملمح رقابي
ويطرح الدكتور بهاء الدين ناجي، استشاري التغذية العلاجية، تفاصيل فنية حول تداول الصبغة، مشيراً إلى وجود خلط لدى بعض المستهلكين بين صبغتي "الأحمر رقم 3" (E127) و"الأحمر 40" (E129)، رغم أنهما مادتان مختلفتان كيميائياً وتخضعان لتقييمات رقابية مستقلة.

وأوضح أن الأحمر رقم 3 يُعرف علمياً باسم "الإريثروسين" ويُصنف بالرمز E127، وهو مركب يحتوي على اليود وتحيط به مخاوف صحية واسعة، لذلك قيد الاتحاد الأوروبي استخدامه بشدة.

أما الأحمر رقم 40 (Allura Red AC) أو E129، فهو صبغة آزو صناعية مشتقة من البترول ولا تحتوي على اليود، وتُعد الأكثر استخداماً حالياً في الأغذية والمشروبات والحلويات، ورغم اعتمادها من جهات رقابية عديدة، فإن بعض الدراسات تربط بينها وبين فرط الحركة وتشتت الانتباه لدى بعض الأطفال، لذلك يفرض الاتحاد الأوروبي وضع تحذيرات على المنتجات التي تحتوي عليها.

ويؤكد د. ناجي أن الواقع الميداني في مصر يشير إلى أنه لم يصدر حتى الآن قرار رسمي بوقف استخدام الأحمر رقم 3، لكنه يتوقع أن يتوقف استخدامه مستقبلاً، خاصة بعد قرار الولايات المتحدة بحظره ومطالبة المصانع بتعديل منتجاتها واستبداله ببدائل طبيعية أكثر أماناً.

كما يشير إلى نقطة رقابية مهمة، وهي أن قرار الحظر صدر عن هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) وليس عن منظمة الصحة العالمية، موضحاً أن مصر عادة ما تستند إلى المرجعيات الدولية الأوسع، الأمر الذي يفسر عدم صدور حظر رسمي حتى الآن، مع إمكانية الاستفادة من التجربة الأمريكية مستقبلاً في تحديث المعايير المحلية.

ثقافة قراءة الملصقات
ويرى خبيرا التغذية أن ثقافة قراءة الملصقات الغذائية وفحص المكونات، مثل الرمز E127، تمثل خط الدفاع الأول لحماية الأطفال من المخاطر المحتملة لبعض المضافات الغذائية، مؤكدين أهمية مراجعة المكونات جيداً قبل الشراء حفاظاً على الصحة العامة.
 

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية