تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
لم تعد الأمراض المزمنة المستعصية مجرد قدر محتوم، بل أصبحت في كثير من الأحيان انعكاسًا لنمط الغذاء والحياة الخاطئ، ويأتي سرطان الأمعاء "القولون والمستقيم" في مقدمة الأمراض المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بما نأكله.
أغذية قد تسبب سرطان الأمعاء
يقول الدكتور شهاب الدين محمدي، خبير التغذية العلاجية، إن التغذية السليمة تمثل هندسة الوقاية من الإصابة بأمراض سرطان الأمعاء، فهي منظومة بيئية متكاملة، بينما السرطان هو خلل في التوازن الكيميائي والحيوي داخل هذه المنظومة.
وتشير الدراسات إلى أن تغييرات بسيطة في الأسلوب والعادات الغذائية اليومية يمكن أن تحمي من هذا الخطر الصامت، ومن أبرز العادات الغذائية المسببة للإصابة بسرطان الأمعاء الإفراط في تناول اللحوم المصنعة، حيث تصنف منظمة الصحة العالمية اللحوم المصنعة مثل اللانشون، والبسطرمة التجارية المضاف إليها مواد حافظة، والسجق، والمرتديلا، ضمن المواد المسرطنة في المجموعة الأولى.
وتزيد المواد الحافظة التي تضاف إلى اللحوم المصنعة مثل "النيتريت"، إضافة إلى التدخين الصناعي المستخدم لإكساب اللحوم الطعم المدخن، من فرص تحور الخلايا في جدار الأمعاء، كما أن الإفراط في تناول اللحوم الحمراء بما يزيد على 500 جرام أسبوعيًا، سواء كانت من اللحم البقري أو الضأن، يرتبط بزيادة احتمالية الإصابة بسرطان الأمعاء، خاصة عند طهيها في درجات حرارة عالية جدًا مثل الشواء حتى درجة التفحم.
بالإضافة إلى أن إهمال الألياف الطبيعية والاعتماد على الدقيق الأبيض والسكريات، وتجاهل الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة، يؤدي إلى بطء حركة الأمعاء، ما يجعل الفضلات والسموم تبقى لفترة أطول في القولون، وبالتالي يزداد احتكاك هذه المواد بجدار الأمعاء، ومع زيادة زمن البقاء تزداد فرص حدوث الطفرات الجينية.
ويؤدي أيضًا تناول المشروبات السكرية والأغذية الغنية بالدهون، خاصة وجبات "التيك أواي"، إلى زيادة الالتهابات المزمنة في الجسم والسمنة، وهي أحد أكبر عوامل الخطر للإصابة بسرطان الأمعاء.
كما أن للألياف غير القابلة للذوبان الموجودة في قشور الحبوب والخضروات أهمية كبيرة، حيث تعمل كمنظف ميكانيكي يسرّع من إخراج المواد والسموم من الجسم.
أسلوب الطهي
ويؤثر أسلوب الطهي أيضًا بشكل مباشر، إذ تتكون مركبات كيميائية مثل HCA وPAH، حيث تتشكل المادة الأولى عند تفاعل البروتينات والسكريات في اللحوم مع الحرارة العالية أثناء القلي أو الشواء المباشر، بينما تتكون المادة الثانية عند سقوط الدهون على النار وتصاعد الدخان الذي يلتصق باللحم، وكلاهما من شأنه زيادة احتمالية الإصابة بسرطان الأمعاء.
وينصح خبير التغذية العلاجية بضرورة تتبيل اللحوم بالأعشاب مثل الروزماري والثوم قبل الطهي، حيث يقللان من تكوين هذه المواد الضارة بنسبة قد تصل إلى 90%.
ويشدد د. محمدي على ضرورة الإكثار من تناول البصل والثوم والموز، لأنها تساعد على إنتاج حمض البيوتيرات، وهو الوقود الأساسي لخلايا القولون، حيث يمنع تكاثر الخلايا السرطانية ويساعد على تنظيم عملية الموت المبرمج للخلايا التالفة في الأمعاء.
من غذاء إلى ورم
يشير الدكتور أحمد السيد، أخصائي جراحة الأورام والمناظير، إلى أن السؤال الأهم فيما يتعلق بسرطان الأمعاء هو: كيف يتحول الغذاء إلى ورم؟
ويجيب أن ذلك يحدث عبر ثلاث عمليات رئيسية داخل الأمعاء، أولها؛ تكوين مركبات N-nitroso، حيث تتفاعل الأمينات مع النيتريت في المعدة والأمعاء عند تناول اللحوم المصنعة، لتكوين مركبات تهاجم الغشاء المخاطي للقولون وتسبب طفرات جينية تؤدي إلى سرطان الأمعاء.
وثانيها؛ تأثير الحديد الهيمي الموجود بكثرة في اللحوم الحمراء، حيث يحفز هذا النوع من الحديد إنتاج الجذور الحرة التي تدمر خلايا الأمعاء وتسرّع انقسامها بشكل غير طبيعي، ما قد يؤدي إلى الإصابة بالسرطان.
أما ثالثها؛ فهو الأحماض الصفراوية الثانوية، إذ إن النظام الغذائي عالي الدهون يحفز الكبد على إفراز كميات كبيرة من الصفراء، وعند وصول هذه الأحماض إلى الأمعاء الغليظة تتحول بفعل البكتيريا إلى مواد مهيجة لبطانة الأمعاء، ما يشجع نمو الأورام الحميدة التي قد تتحول لاحقًا إلى سرطان الأمعاء.
ويضيف د. أحمد أن البكتيريا النافعة "الميكروبيوم" في الأمعاء تلعب دورًا مهمًا في الحماية من سرطان الأمعاء، إذ تحقق التوازن البكتيري الذي يمثل خط الدفاع الأول للأمعاء.
كما أن الاهتمام بتناول الألياف يمثل غذاءً أساسيًا لهذه البكتيريا، حيث إن تخمير الألياف داخل الأمعاء ينتج أحماضًا دهنية تُسمى "البيوتيرات"، وهي مادة لها خصائص مضادة للسرطان وتساعد على إصلاح تلف خلايا القولون.
وفي كثير من الحالات، تفرز الأنسجة الدهنية، خاصة في منطقة البطن، مواد بروتينية تُسمى "سيتوكينات"، تجعل الجسم في حالة التهاب مزمن، وهي بيئة مثالية لنمو الخلايا السرطانية.
وينصح د. احمد السيد بأن السرطان لا يظهر فجأة، بل هو رحلة من الالتهابات الدقيقة والطفرات التي تتراكم عبر سنوات، وما نضعه في أطباقنا اليوم هو إما وقود لهذه الخلايا السرطانية أو درع يحمي جيناتنا من الانحراف.
كما يؤكد أهمية الفحص المبكر بالمنظار لمن تجاوزوا سن 45 عامًا، أو من لديهم تاريخ عائلي للإصابة بأمراض السرطان، لأن الغذاء وحده قد لا يكون كافيًا إذا وُجدت عوامل وراثية قوية.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية