تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
قد يبدو تحمّل المسئولية سلوكًا ناضجًا وإيجابيًا، لكن في بعض الأحيان يتحوّل إلى عبء نفسي خفي يستنزف طاقة صاحبه حتى يشعر أنه يحمل العالم على كتفيه وحده، من هنا وُلدت فكرة "عقدة أطلس" في علم النفس، لتصف أولئك الذين يضعون احتياجات الآخرين فوق احتياجاتهم دائمًا، حتى على حساب صحتهم النفسية والجسدية.
أسطورة المعاناة
في الأساطير الإغريقية القديمة، كان "أطلس" أحد الجبابرة الذين عوقبوا بحمل السماء فوق كتفيه إلى الأبد، كرمز للعقاب والتحمّل الذي لا ينتهي، ومع مرور الزمن، تحوّل اسم أطلس في علم النفس إلى وصف لحالة إنسانية
يعيشها بعض الأشخاص، فهم يتحملون أعباء الآخرين، ويخفون تعبهم خلف صورة الشخص القوي القادر دائمًا على الإنقاذ، حتى يصبح العطاء الزائد عبئًا نفسيًا يستهلكهم بصمت، ومن هنا ظهر مصطلح "عقدة أطلس"، ليصف أولئك الذين يربطون قيمتهم الشخصية بقدرتهم المستمرة على التضحية وتحمل المسؤولية، مهما كان الثمن النفسي أو الجسدي.
أبحاث حديثة
أشارت مراجعة علمية حديثة إلى أن الأشخاص الذين تعرّضوا لما يُعرف بـ «الاستدعاء المبكر للمسئولية» خلال الطفولة، يصبحون أكثر ميلًا في مراحل لاحقة من حياتهم لتحمّل أعباء الآخرين بصورة مفرطة، مع ربط قيمتهم الذاتية بالعطاء والرعاية المستمرة، كما أوضحت الدراسة أن هذا النمط يرتبط بارتفاع معدلات القلق والإرهاق النفسي وصعوبة وضع حدود صحية داخل العلاقات.
كما كشفت دراسة منشورة عام 2025 أن الأشخاص الذين يدمجون دور المنقذ أو المسئول الدائم داخل هويتهم النفسية يكونون أكثر عرضة للضغط النفسي واستنزاف الطاقة العاطفية، خاصة في ظل غياب الدعم النفسي أو عدم توزيع المسئوليات بشكل متوازن.
جذور خفية
يقول الدكتور على النبوي، استشاري الطب النفسي، إن "عقدة أطلس" لا تظهر فجأة في مرحلة البلوغ، بل تبدأ جذورها النفسية في التكوّن منذ سنوات الطفولة الأولى، حين يُدفع الطفل لتحمّل أدوار ومسئوليات أكبر من عمره النفسي، فقد يجد نفسه مضطرًا لرعاية إخوته، أو دعم أحد والديه نفسيًا، أو لعب دور الشخص القوي داخل الأسرة في ظل غياب الاحتواء العاطفي أو الاستقرار الأسري.
ويوضح أن الطفل في هذه الحالة يتعلّم مبكرًا أن الحب والقبول مرتبطان بما يقدّمه للآخرين، وليس بما يشعر به أو يحتاجه هو شخصيًا، فينشأ وهو يربط قيمته الذاتية بالعطاء المستمر وتحمل المسؤولية دون توقف.
ويضيف أن الخوف من الرفض أو الهجر يُعد من أبرز الدوافع النفسية وراء هذه العقدة، إذ يتحوّل العطاء المفرط مع الوقت إلى وسيلة دفاعية لضمان القبول وكسب الحب والحفاظ على العلاقات، حتى لو جاء ذلك على حساب الراحة النفسية والجسدية.
علامات مرهقة
ويؤكد استشاري الطب النفسي أن "عقدة أطلس" غالبًا ما تختبئ خلف صفات يراها المجتمع إيجابية، مثل تحمّل المسئولية والاعتماد عليه ومساندة الآخرين، لكن خلف هذه الصورة المثالية قد توجد معاناة نفسية حقيقية لا يلاحظها المحيطون.
كما يعاني أصحاب هذه العقدة من صعوبة شديدة في قول "لا"، إذ يرافقهم إحساس دائم بالذنب عند رفض أي طلب، حتى لو كانوا مرهقين أو غير قادرين على العطاء، وفي كثير من الأحيان، يفضّلون الصمت على الاعتراف بالتعب أو طلب المساعدة، خوفًا من الظهور بمظهر الضعيف أو المقصّر.
ويلفت إلى أن هذا النمط قد ينعكس أيضًا على طبيعة العلاقات العاطفية والاجتماعية، حيث ينجذب الشخص غالبًا إلى علاقات غير متوازنة يكون فيها الطرف الآخر معتمدًا عليه نفسيًا أو ماديًا بشكل مبالغ فيه، ما يضاعف شعوره بالاستنزاف والضغط المستمر.
ويحذر من أن استمرار هذا السلوك لفترات طويلة قد يؤدي إلى الإرهاق النفسي المزمن، واضطرابات النوم، والتوتر العصبي، وربما الاحتراق النفسي الكامل، خاصة مع تجاهل الشخص لاحتياجاته الخاصة لفترات ممتدة.
توازن صحي
ويشير د. على إلى أن التحرر من "عقدة أطلس" لا يعني التوقف عن مساعدة الآخرين أو التحول إلى شخص أناني، بل يتعلق بتعلّم التوازن الصحي بين العطاء والاهتمام بالنفس، وفهم أن الإنسان ليس مسؤولًا عن إنقاذ الجميع طوال الوقت.
ويوضح أن أول خطوة في العلاج تبدأ بالوعي بالنمط السلوكي، وإدراك أن المساعدة الزائدة ليست دائمًا دليلًا على القوة أو النُبل، بل قد تكون أحيانًا محاولة للهروب من مشاعر الخوف أو عدم الأمان أو الرغبة المستمرة في إثبات القيمة الذاتية.
كما يؤكد أهمية تعلّم وضع الحدود النفسية الصحية، لأن القدرة على قول "لا" في بعض المواقف لا تعني القسوة، بل تعكس احترام الشخص لطاقته النفسية واحتياجاته الخاصة.
ويضيف أن العلاج النفسي، سواء من خلال التحليل النفسي أو العلاج السلوكي المعرفي، يساعد في تفكيك الجذور القديمة لهذا النمط وربطها بتجارب الطفولة والضغوط العاطفية المبكرة، ما يمنح الشخص قدرة أكبر على فهم نفسه والتعامل مع مشاعره بصورة أكثر توازنًا.
طاقة خفية
وعلى الرغم من هذه التحديات، يرى خبراء آخرون أن هذه العقدة تحمل في طياتها جوانب مضيئة، تقول الدكتورة ميرفت رجب، استشاري نفسي وأسرى ، إن ما يُعرف بـ"عقدة أطلس" لا يمكن النظر إليه من زاوية سلبية فقط، لأن هذا النمط النفسي رغم ما يحمله من أعباء واستنزاف، يكشف في جوهره عن مجموعة من السمات الإنسانية العميقة والإيجابية التي قد تشكل مصدر قوة حقيقية إذا أُعيد توجيهها بشكل صحي ومتوازن.
وتوضح أن الأشخاص الذين يميلون لتحمّل المسئولية بشكل مفرط غالبًا ما يتمتعون بحس عالٍ بالالتزام والواجب، وقدرة ملحوظة على القيادة في المواقف الصعبة، إلى جانب درجة مرتفعة من الذكاء العاطفي، تجعلهم أكثر فهمًا لمشاعر الآخرين وأكثر قدرة على احتوائهم والتعامل مع احتياجاتهم النفسية.
وتؤكد أن المشكلة لا تكمن في هذه الصفات نفسها، بل في طريقة توظيفها، إذ تتحول من عناصر قوة إلى عوامل إنهاك عندما يفقد الشخص القدرة على وضع حدود واضحة بين ما يتحمله وما يجب أن يتركه للآخرين.
بعد جندري
تقول الدكتورة هبة يونس، أخصائية العلاج السلوكى المعرفي، إن "عقدة أطلس" في كثير من المجتمعات لا تظهر في صورتها المباشرة، بل تتجسد غالبًا داخل إطار اجتماعي وجندري معقّد، حيث تأخذ في الغالب شكلًا أنثويًا واضحًا.
وتوضح أن الفتيات منذ الطفولة يُنشأن على دور "المسئولة الصامتة"، حيث يُطلب منهن رعاية الإخوة، واحتواء المشاعر داخل الأسرة، والتنبؤ باحتياجات الآخرين قبل التعبير عنها. ومع الوقت، تتكوّن قناعة داخلية بأن "الأنثى الجيدة" هي التي تمنح دون حدود، وتتحمّل دون شكوى، وتستمر في العطاء حتى عند الإرهاق.
ومع الانتقال إلى مرحلة البلوغ، يتضاعف هذا الحمل النفسي، لتجد المرأة نفسها أمام مسؤوليات متعددة ومتداخلة تشمل العمل والمنزل والأبناء والعلاقات الأسرية، دون مساحة كافية للاهتمام باحتياجاتها الذاتية. وتضيف أن المجتمع في كثير من الأحيان يعيد إنتاج هذا النمط من خلال وصف هذا السلوك بأنه "تضحية" أو "مسئولية عالية"، ما يعزز الشعور بالذنب لدى المرأة إذا فكرت في التوقف أو وضع حدود.
وتشير إلى أن العديد من الدراسات النفسية الحديثة تؤكد أن النساء أكثر عرضة للإرهاق النفسي المزمن المرتبط بتحمّل المسؤوليات المتراكمة، نتيجة الضغوط المزدوجة والرسائل الثقافية التي تمجّد صورة "المرأة القوية التي لا تنهار".
تدريب عملي
وانطلاقًا من هذا الفهم، تقترح د. هبة مجموعة من التمارين النفسية اليومية التي تساعد على كسر نمط “المسؤولية المفرطة” وإعادة ضبط العلاقة مع الذات.
حدود يومية: توصي بتمرين بسيط يتمثل في تحديد ثلاثة مواقف يوميًا يُسمح فيها بقول "لا" بشكل واضح، مثل رفض العمل الإضافي خارج وقت الراحة أو تأجيل تلبية طلب غير عاجل. وتؤكد أن الهدف ليس الانعزال، بل تدريب العقل على إدراك أن وضع الحدود لا يعني فقدان العلاقات.
توازن داخلي: قبل الاستجابة لأي طلب، تنصح بالتوقف لثوانٍ قليلة وطرح سؤال داخلي: هل هذا الالتزام نابع من مسؤولية حقيقية أم من شعور بالذنب أو الخوف من الرفض؟ وتشير إلى أن هذا التمرين يساعد على إعادة تقييم الدوافع النفسية قبل الدخول في دوائر الاستنزاف.
تفريغ ذهني: كما تقترح تمرينًا تخيليًا قصيرًا يتمثل في إغلاق العينين لبضع دقائق يوميًا، وتخيّل تخفيف العبء النفسي تدريجيًا، مع تكرار جملة ذهنية: "من حقي أن أرتاح، والعالم لا يتوقف عند توقفي المؤقت". وتوضح أن هذا النوع من التمارين يعيد تدريب الدماغ على تقليل الإحساس المبالغ فيه بالمسئولية.
إنذار مبكر
وتحذر د. هبة من أن "عقدة أطلس" قد تتحول من نمط سلوكي إلى أزمة نفسية تستدعي التدخل المهني، إذا استمرت مجموعة من الأعراض لفترة تتجاوز أسبوعين بشكل متواصل.
وتشمل هذه العلامات الأرق المزمن الناتج عن التفكير المستمر في مشكلات الآخرين، والانفعالات العاطفية المفاجئة مثل البكاء دون سبب واضح، وفقدان القدرة على الاستمتاع بالراحة أو الأنشطة اليومية.
كما تشمل أيضًا ظهور أفكار سلبية متكررة حول الذات مثل الشعور بالتقصير أو الاعتقاد بأن كل شيء سيتوقف في حال غياب الشخص، إلى جانب أعراض جسدية مثل الصداع التوتري وآلام الكتفين والظهر واضطرابات الجهاز الهضمي غير المبررة طبيًا.
وتختم مؤكدة أن ظهور ثلاث علامات أو أكثر بشكل مستمر يستدعي عدم التردد في طلب الدعم النفسي، لأن التدخل المبكر ليس رفاهية، بل خطوة أساسية لمنع الوصول إلى مرحلة الاحتراق النفسي الكامل.
أسطورة المعاناة
في الأساطير الإغريقية القديمة، كان "أطلس" أحد الجبابرة الذين عوقبوا بحمل السماء فوق كتفيه إلى الأبد، كرمز للعقاب والتحمّل الذي لا ينتهي، ومع مرور الزمن، تحوّل اسم أطلس في علم النفس إلى وصف لحالة إنسانية
يعيشها بعض الأشخاص، فهم يتحملون أعباء الآخرين، ويخفون تعبهم خلف صورة الشخص القوي القادر دائمًا على الإنقاذ، حتى يصبح العطاء الزائد عبئًا نفسيًا يستهلكهم بصمت، ومن هنا ظهر مصطلح "عقدة أطلس"، ليصف أولئك الذين يربطون قيمتهم الشخصية بقدرتهم المستمرة على التضحية وتحمل المسؤولية، مهما كان الثمن النفسي أو الجسدي.
أبحاث حديثة
أشارت مراجعة علمية حديثة إلى أن الأشخاص الذين تعرّضوا لما يُعرف بـ «الاستدعاء المبكر للمسئولية» خلال الطفولة، يصبحون أكثر ميلًا في مراحل لاحقة من حياتهم لتحمّل أعباء الآخرين بصورة مفرطة، مع ربط قيمتهم الذاتية بالعطاء والرعاية المستمرة، كما أوضحت الدراسة أن هذا النمط يرتبط بارتفاع معدلات القلق والإرهاق النفسي وصعوبة وضع حدود صحية داخل العلاقات.
كما كشفت دراسة منشورة عام 2025 أن الأشخاص الذين يدمجون دور المنقذ أو المسئول الدائم داخل هويتهم النفسية يكونون أكثر عرضة للضغط النفسي واستنزاف الطاقة العاطفية، خاصة في ظل غياب الدعم النفسي أو عدم توزيع المسئوليات بشكل متوازن.
جذور خفية
يقول الدكتور على النبوي، استشاري الطب النفسي، إن "عقدة أطلس" لا تظهر فجأة في مرحلة البلوغ، بل تبدأ جذورها النفسية في التكوّن منذ سنوات الطفولة الأولى، حين يُدفع الطفل لتحمّل أدوار ومسئوليات أكبر من عمره النفسي، فقد يجد نفسه مضطرًا لرعاية إخوته، أو دعم أحد والديه نفسيًا، أو لعب دور الشخص القوي داخل الأسرة في ظل غياب الاحتواء العاطفي أو الاستقرار الأسري.
ويوضح أن الطفل في هذه الحالة يتعلّم مبكرًا أن الحب والقبول مرتبطان بما يقدّمه للآخرين، وليس بما يشعر به أو يحتاجه هو شخصيًا، فينشأ وهو يربط قيمته الذاتية بالعطاء المستمر وتحمل المسؤولية دون توقف.
ويضيف أن الخوف من الرفض أو الهجر يُعد من أبرز الدوافع النفسية وراء هذه العقدة، إذ يتحوّل العطاء المفرط مع الوقت إلى وسيلة دفاعية لضمان القبول وكسب الحب والحفاظ على العلاقات، حتى لو جاء ذلك على حساب الراحة النفسية والجسدية.
علامات مرهقة
ويؤكد استشاري الطب النفسي أن "عقدة أطلس" غالبًا ما تختبئ خلف صفات يراها المجتمع إيجابية، مثل تحمّل المسئولية والاعتماد عليه ومساندة الآخرين، لكن خلف هذه الصورة المثالية قد توجد معاناة نفسية حقيقية لا يلاحظها المحيطون.
كما يعاني أصحاب هذه العقدة من صعوبة شديدة في قول "لا"، إذ يرافقهم إحساس دائم بالذنب عند رفض أي طلب، حتى لو كانوا مرهقين أو غير قادرين على العطاء، وفي كثير من الأحيان، يفضّلون الصمت على الاعتراف بالتعب أو طلب المساعدة، خوفًا من الظهور بمظهر الضعيف أو المقصّر.
ويلفت إلى أن هذا النمط قد ينعكس أيضًا على طبيعة العلاقات العاطفية والاجتماعية، حيث ينجذب الشخص غالبًا إلى علاقات غير متوازنة يكون فيها الطرف الآخر معتمدًا عليه نفسيًا أو ماديًا بشكل مبالغ فيه، ما يضاعف شعوره بالاستنزاف والضغط المستمر.
ويحذر من أن استمرار هذا السلوك لفترات طويلة قد يؤدي إلى الإرهاق النفسي المزمن، واضطرابات النوم، والتوتر العصبي، وربما الاحتراق النفسي الكامل، خاصة مع تجاهل الشخص لاحتياجاته الخاصة لفترات ممتدة.
توازن صحي
ويشير د. على إلى أن التحرر من "عقدة أطلس" لا يعني التوقف عن مساعدة الآخرين أو التحول إلى شخص أناني، بل يتعلق بتعلّم التوازن الصحي بين العطاء والاهتمام بالنفس، وفهم أن الإنسان ليس مسؤولًا عن إنقاذ الجميع طوال الوقت.
ويوضح أن أول خطوة في العلاج تبدأ بالوعي بالنمط السلوكي، وإدراك أن المساعدة الزائدة ليست دائمًا دليلًا على القوة أو النُبل، بل قد تكون أحيانًا محاولة للهروب من مشاعر الخوف أو عدم الأمان أو الرغبة المستمرة في إثبات القيمة الذاتية.
كما يؤكد أهمية تعلّم وضع الحدود النفسية الصحية، لأن القدرة على قول "لا" في بعض المواقف لا تعني القسوة، بل تعكس احترام الشخص لطاقته النفسية واحتياجاته الخاصة.
ويضيف أن العلاج النفسي، سواء من خلال التحليل النفسي أو العلاج السلوكي المعرفي، يساعد في تفكيك الجذور القديمة لهذا النمط وربطها بتجارب الطفولة والضغوط العاطفية المبكرة، ما يمنح الشخص قدرة أكبر على فهم نفسه والتعامل مع مشاعره بصورة أكثر توازنًا.
طاقة خفية
وعلى الرغم من هذه التحديات، يرى خبراء آخرون أن هذه العقدة تحمل في طياتها جوانب مضيئة، تقول الدكتورة ميرفت رجب، استشاري نفسي وأسرى ، إن ما يُعرف بـ"عقدة أطلس" لا يمكن النظر إليه من زاوية سلبية فقط، لأن هذا النمط النفسي رغم ما يحمله من أعباء واستنزاف، يكشف في جوهره عن مجموعة من السمات الإنسانية العميقة والإيجابية التي قد تشكل مصدر قوة حقيقية إذا أُعيد توجيهها بشكل صحي ومتوازن.
وتوضح أن الأشخاص الذين يميلون لتحمّل المسئولية بشكل مفرط غالبًا ما يتمتعون بحس عالٍ بالالتزام والواجب، وقدرة ملحوظة على القيادة في المواقف الصعبة، إلى جانب درجة مرتفعة من الذكاء العاطفي، تجعلهم أكثر فهمًا لمشاعر الآخرين وأكثر قدرة على احتوائهم والتعامل مع احتياجاتهم النفسية.
وتؤكد أن المشكلة لا تكمن في هذه الصفات نفسها، بل في طريقة توظيفها، إذ تتحول من عناصر قوة إلى عوامل إنهاك عندما يفقد الشخص القدرة على وضع حدود واضحة بين ما يتحمله وما يجب أن يتركه للآخرين.
بعد جندري
تقول الدكتورة هبة يونس، أخصائية العلاج السلوكى المعرفي، إن "عقدة أطلس" في كثير من المجتمعات لا تظهر في صورتها المباشرة، بل تتجسد غالبًا داخل إطار اجتماعي وجندري معقّد، حيث تأخذ في الغالب شكلًا أنثويًا واضحًا.
وتوضح أن الفتيات منذ الطفولة يُنشأن على دور "المسئولة الصامتة"، حيث يُطلب منهن رعاية الإخوة، واحتواء المشاعر داخل الأسرة، والتنبؤ باحتياجات الآخرين قبل التعبير عنها. ومع الوقت، تتكوّن قناعة داخلية بأن "الأنثى الجيدة" هي التي تمنح دون حدود، وتتحمّل دون شكوى، وتستمر في العطاء حتى عند الإرهاق.
ومع الانتقال إلى مرحلة البلوغ، يتضاعف هذا الحمل النفسي، لتجد المرأة نفسها أمام مسؤوليات متعددة ومتداخلة تشمل العمل والمنزل والأبناء والعلاقات الأسرية، دون مساحة كافية للاهتمام باحتياجاتها الذاتية. وتضيف أن المجتمع في كثير من الأحيان يعيد إنتاج هذا النمط من خلال وصف هذا السلوك بأنه "تضحية" أو "مسئولية عالية"، ما يعزز الشعور بالذنب لدى المرأة إذا فكرت في التوقف أو وضع حدود.
وتشير إلى أن العديد من الدراسات النفسية الحديثة تؤكد أن النساء أكثر عرضة للإرهاق النفسي المزمن المرتبط بتحمّل المسؤوليات المتراكمة، نتيجة الضغوط المزدوجة والرسائل الثقافية التي تمجّد صورة "المرأة القوية التي لا تنهار".
تدريب عملي
وانطلاقًا من هذا الفهم، تقترح د. هبة مجموعة من التمارين النفسية اليومية التي تساعد على كسر نمط “المسؤولية المفرطة” وإعادة ضبط العلاقة مع الذات.
حدود يومية: توصي بتمرين بسيط يتمثل في تحديد ثلاثة مواقف يوميًا يُسمح فيها بقول "لا" بشكل واضح، مثل رفض العمل الإضافي خارج وقت الراحة أو تأجيل تلبية طلب غير عاجل. وتؤكد أن الهدف ليس الانعزال، بل تدريب العقل على إدراك أن وضع الحدود لا يعني فقدان العلاقات.
توازن داخلي: قبل الاستجابة لأي طلب، تنصح بالتوقف لثوانٍ قليلة وطرح سؤال داخلي: هل هذا الالتزام نابع من مسؤولية حقيقية أم من شعور بالذنب أو الخوف من الرفض؟ وتشير إلى أن هذا التمرين يساعد على إعادة تقييم الدوافع النفسية قبل الدخول في دوائر الاستنزاف.
تفريغ ذهني: كما تقترح تمرينًا تخيليًا قصيرًا يتمثل في إغلاق العينين لبضع دقائق يوميًا، وتخيّل تخفيف العبء النفسي تدريجيًا، مع تكرار جملة ذهنية: "من حقي أن أرتاح، والعالم لا يتوقف عند توقفي المؤقت". وتوضح أن هذا النوع من التمارين يعيد تدريب الدماغ على تقليل الإحساس المبالغ فيه بالمسئولية.
إنذار مبكر
وتحذر د. هبة من أن "عقدة أطلس" قد تتحول من نمط سلوكي إلى أزمة نفسية تستدعي التدخل المهني، إذا استمرت مجموعة من الأعراض لفترة تتجاوز أسبوعين بشكل متواصل.
وتشمل هذه العلامات الأرق المزمن الناتج عن التفكير المستمر في مشكلات الآخرين، والانفعالات العاطفية المفاجئة مثل البكاء دون سبب واضح، وفقدان القدرة على الاستمتاع بالراحة أو الأنشطة اليومية.
كما تشمل أيضًا ظهور أفكار سلبية متكررة حول الذات مثل الشعور بالتقصير أو الاعتقاد بأن كل شيء سيتوقف في حال غياب الشخص، إلى جانب أعراض جسدية مثل الصداع التوتري وآلام الكتفين والظهر واضطرابات الجهاز الهضمي غير المبررة طبيًا.
وتختم مؤكدة أن ظهور ثلاث علامات أو أكثر بشكل مستمر يستدعي عدم التردد في طلب الدعم النفسي، لأن التدخل المبكر ليس رفاهية، بل خطوة أساسية لمنع الوصول إلى مرحلة الاحتراق النفسي الكامل.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية