تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
بينما تجلس واشنطن وطهران على طاولة مفاوضات معقدة صيغت خلف الكواليس، ترفض تل أبيب هذا المسار الدبلوماسي بشكل واضح، مترجمة اعتراضها إلى ضربات عسكرية مباشرة استهدفت العمق الإيراني، ويضع هذا المشهد المتناقض المنطقة أمام تساؤلات مصيرية؛ هل تمارس الولايات المتحدة «خداعًا استراتيجيًا» تجاه إيران عبر التفاوض، بينما تطلق يد حليفتها لتقويض طموحاتها؟ أم أن الضربات الإسرائيلية تعكس تمردًا على الإرادة الأمريكية؟ أم أن إسرائيل تخوض بالفعل «حربًا بالوكالة» نيابة عن واشنطن لتجنب مواجهة مباشرة بين القوى الكبرى؟ طرحنا الأسئلة على مجموعة من الخبراء خلال التقرير التالي.
تورط أمريكي
يقول اللواء عادل العمدة، المستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، إن الولايات المتحدة الأمريكية تورطت منذ البداية في الحرب ضد إيران، وهو ما تحاول معالجته الآن، وأضاف أنه تم الإيحاء للإدارة الأمريكية بأنها قادرة على حسم المواجهة مع إيران بسهولة، إلا أن الأحداث أثبتت عكس ذلك، حيث أظهرت إيران قدرة على الصمود أمام الهجمات الأمريكية والإسرائيلية.
وأوضح أن ما وصفه بعمليات «قطع الرؤوس» لم يؤدِّ إلى انهيار الجبهة الداخلية الإيرانية، بل أظهر تماسكًا شعبيًا يستند إلى عوامل جغرافية وتاريخية، في مقدمتها الطبيعة الجبلية الوعرة للبلاد، فضلًا عن خبرة طويلة في التعامل مع العقوبات والضغوط الخارجية.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة تحرص على الظهور أمام الرأي العام العالمي والأمريكي بمظهر المنتصر، لافتًا إلى أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تركز على التأكيد بأن واشنطن حققت أهدافها، مع التقليل من قدرة إيران على المواجهة.
مضيفًا أن إسرائيل تعد المستفيد الأول من الحرب التي اندلعت بين إيران والولايات المتحدة، كما أنها المستفيدة من استمرار المواجهات العسكرية بين الطرفين، باعتبار أن ذلك يخدم أهدافها الاستراتيجية في المنطقة.
مهلة الـ 60 يومًا
وتابع العمدة أن الحكم على جدية الولايات المتحدة وإيران في التوصل إلى اتفاق يتطلب انتظار انتهاء مهلة الستين يومًا، التي تعد أحد البنود الأساسية في التفاهمات الأولية بين الطرفين.
وأضاف أنه بعد انتهاء هذه الفترة يمكن تقييم مدى جدية الاتفاق وأهدافه الحقيقية، لكن المعطيات الحالية تشير إلى أن المنطقة تتجه تدريجيًا نحو التهدئة والاستقرار، وإن كانت الانتهاكات الإسرائيلية مرشحة للاستمرار، وهو ما شهدناه بالفعل خلال الأيام الماضية.
مصالح متعارضة
وأكد المستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية أن ترامب لديه مصلحة مباشرة في إنهاء الحرب مع إيران وتقديم ذلك للرأي العام الأمريكي باعتباره إنجازًا سياسيًا، خاصة في ظل استحقاقات سياسية وانتخابية مقبلة.
موضحًا أن إسرائيل، على الجانب الآخر، لا ترى مصلحة في تفعيل أي اتفاق يخفف الضغوط عن إيران، لكن الإدارة الأمريكية تتخذ قراراتها وفقًا لمصالحها القومية في المقام الأول.
وأضاف أن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، رغم طابعها الاستراتيجي، تظل محكومة بمنطق المصالح، مشيرًا إلى أنه عند تعارض المصالح يسعى كل طرف إلى تحقيق أهدافه الخاصة، بغض النظر عن حسابات الطرف الآخر.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة رأت أن استمرار الحرب مع إيران قد يهدد مصالحها، وهو ما دفعها إلى مراجعة موقفها، لا سيما بعد تعرض إدارة ترامب لضغوط داخلية متزايدة.
وأضاف أن الشراكة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب لا تعني تطابق المصالح بالكامل؛ فبينما ترى إسرائيل أن استمرار الصراع يخدم أهدافها، تسعى الولايات المتحدة إلى وقف العمليات العسكرية واحتواء التصعيد، فالاتفاق الجاري التفاوض بشأنه لا يحظى بثقة كاملة لدى إيران، بسبب تداعيات وتجارب سابقة، وعلى رأسها الاتفاق النووي المبرم عام 2015.
الصمود الإيراني
وأكد العمدة أن استمرار المواجهات لفترة طويلة يمثل دليلًا على قدرة إيران على الصمود، موضحًا أنها تمتلك قدرات صاروخية ومنظومات عسكرية تمكنها من مواصلة المواجهة لفترات ممتدة.
وأضاف أن هناك قوى دولية كبرى تقدم أشكالًا مختلفة من الدعم لإيران، ما يعزز قدرتها على الاستمرار ومواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية.
موقف ملتبس
ومن جانبه، يقول الدكتور علاء السعيد، الخبير في الشئون الإيرانية، إن فرضية قيام الولايات المتحدة بخداع إيران عبر التفاوض، مع دعم إسرائيل لتوجيه ضربات عسكرية ضدها، تحتاج إلى قدر كبير من الواقعية السياسية بعيدًا عن التبسيط.
وأوضح أنه من الصعب القول إن واشنطن تسعى بجدية إلى اتفاق مع طهران، وفي الوقت نفسه تخطط لخداعها، كما أنه من الصعب أيضًا افتراض وجود فصل كامل بين السياسة الأمريكية والإسرائيلية تجاه إيران.
وأضاف أن التفاوض لا يلغي استخدام أدوات الضغط المختلفة، بل إن امتلاك أوراق ضغط سياسية أو اقتصادية أو عسكرية يعد جزءًا أصيلًا من أي عملية تفاوضية.
تقاطع مصالح
وأكد د. السعيد أن إسرائيل تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، ولذلك تتبنى مواقف أكثر تشددًا من الولايات المتحدة تجاه طهران.
لكنه شدد على أنه لا يمكن الجزم بأن العمليات العسكرية الإسرائيلية تنفذ بأوامر أمريكية مباشرة أو أنها تمثل حربًا بالوكالة.
وأضاف أن ما يحدث أقرب إلى حالة من تقاطع المصالح منه إلى مؤامرة بالمعنى التقليدي، فالولايات المتحدة تستفيد من الضغوط التي تمارسها إسرائيل على إيران، لأنها تمنح المفاوض الأمريكي أوراق قوة إضافية، كما تستفيد إسرائيل من الدعم والغطاء السياسي الأمريكي.
وأوضح أن ذلك لا يعني تطابق الرؤى والأهداف بين الطرفين، فهناك اختلافات واضحة في الحسابات والتوقيتات بين واشنطن وتل أبيب.
التهديد العسكري والبيئة التفاوضية
وأشار إلى أن إيران تنظر إلى أي تهديد عسكري إسرائيلي باعتباره جزءًا من البيئة التفاوضية المرتبطة بعلاقتها مع الولايات المتحدة، وأضاف أن طهران تتعامل مع كثير من التحركات الإسرائيلية باعتبارها جزءًا من منظومة الضغوط المستخدمة على طاولة المفاوضات.
مؤكدًا أن الولايات المتحدة لا تسعى بالضرورة إلى خداع إيران، لكنها تدير عملية تفاوض معقدة لا تقوم على الثقة الكاملة أو حسن النوايا، بل على توازن المصالح واستخدام أدوات الضغط المختلفة.
جزء من منظومة الضغط
واختتم د. السعيد حديثه بالتأكيد على أن الدور الإسرائيلي يمثل جزءًا من منظومة الضغط المفروضة على إيران، سواء جرى ذلك بتنسيق مباشر أو غير مباشر مع الولايات المتحدة، لكنه يرى أن توصيف المشهد باعتباره «حربًا بالوكالة» لا يعكس بدقة طبيعة التفاعلات السياسية والعسكرية الجارية حاليًا في المنطقة.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية