تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > News List > سبوت : الولادة القيصرية في مصر.. أزمة طبية أم ظاهرة اجتماعية؟
source icon

سبوت

.

الولادة القيصرية في مصر.. أزمة طبية أم ظاهرة اجتماعية؟

كتب:صفاء محمود

لم تعد الولادة القيصرية في مصر مجرد تدخل طبي يُلجأ إليه عند الضرورة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة تثير قلق الأطباء وخبراء علم النفس ووزارة الصحة معًا، بعدما قفزت معدلاتها بصورة غير مسبوقة جعلت مصر من أعلى دول العالم في نسب الولادة القيصرية.

وبينما تحاول وزارة الصحة إعادة الأمهات إلى الولادة الطبيعية عبر قرارات ومبادرات جديدة، يرى متخصصون في علم النفس أن الأزمة لا ترتبط فقط بالخوف من الألم، بل بثقافة مجتمعية جديدة تميل إلى الهروب من المعاناة والبحث عن الحل الأسرع والأسهل، في ظل تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وتغيّر نظرة كثير من السيدات إلى فكرة الولادة الطبيعية نفسها.

بداية الظاهرة
لم تبدأ أزمة الولادة القيصرية في مصر فجأة، بل تصاعدت تدريجيًا على مدار أكثر من عقدين، بعدما ارتفعت النسبة من نحو 17.8% عام 2000 إلى 32.4% عام 2005، ثم وصلت إلى ما بين 38- 44% عام 2008، قبل أن تقفز إلى 51.8% عام 2014.

ومع استمرار الارتفاع خلال السنوات التالية، سجلت المعدلات نحو 72%، فيما أشارت تقديرات وتصريحات حديثة صادرة عن وزارة الصحة خلال عام 2025 إلى اقتراب النسبة من 80%، لتصبح مصر من أعلى دول العالم في معدلات الولادة القيصرية، رغم أن منظمة الصحة العالمية توصي بألا تتجاوز النسبة ما بين 10- 15% فقط من إجمالي الولادات.

تشجيع الولادة الطبيعية
هذا التصاعد السريع دفع وزارة الصحة إلى إعلان القلق من الظاهرة، بعدما تحولت القيصرية من حل طبي للحالات الضرورية إلى خيار شائع لدى كثير من الأطباء والسيدات، ولذلك اتخذت الوزارة عدة خطوات لتشجيع الولادة الطبيعية، من بينها قرار إتاحة الولادة الطبيعية الأولى مجانًا للمرأة الحامل داخل بعض المستشفيات، إلى جانب إعادة تدريب القابلات أو الدايات للتوعية بأهمية الولادة الطبيعية وتقليل اللجوء للجراحة دون ضرورة.

ويرى الخبراء أن انتشار الظاهرة لا يرتبط بسبب واحد، بل بعدة عوامل متداخلة، من بينها ارتفاع معدلات القيصرية داخل بعض المستشفيات الخاصة، واعتبار العملية القيصرية أسهل وأسرع في تنظيم الوقت بالنسبة لبعض الأطباء، خاصة أن الولادة الطبيعية قد تستغرق أكثر من 13 ساعة من المتابعة المستمرة منذ بداية الطلق وحتى إتمام الولادة.

كما تلعب تكاليف القيصرية، وارتفاع سن الزواج، وانتشار حالات الحمل الناتجة عن الحقن المجهري والعمليات المجهرية، دورًا في زيادة معدلات اللجوء للجراحة.

ورغم المبادرات والحملات المتكررة للحد من الظاهرة، ما تزال معدلات الولادة القيصرية تواصل الارتفاع، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول الأسباب الحقيقية وراء تفاقم الأزمة، ومدى الحاجة إلى تدخلات طبية ونفسية ومجتمعية لإعادة الثقة في الولادة الطبيعية من جديد.

ارتفاع المعدلات
ومن جانبه، يقول الدكتور عمرو شاهين، أخصائي النساء والتوليد بمستشفى الساحل التعليمي، إن معدلات الولادة القيصرية ارتفعت بصورة كبيرة خلال الفترة الأخيرة، رغم وجود فروق جوهرية بين الولادة القيصرية والولادة الطبيعية من حيث تأثيرهما على صحة الأم والمولود، مؤكدًا أن الولادة الطبيعية هي الأكثر أمانًا والأسرع من حيث التعافي عندما لا توجد موانع أو معوقات طبية.

ويرى د. شاهين أن ذلك لا ينفي حدوث بعض المضاعفات النادرة للولادة الطبيعية، مثل آلام المخاض الشديدة، وتمزقات المهبل، أو نزيف ما بعد الولادة، وعلى المدى البعيد قد يحدث سلس بولي أو هبوط رحمي أو مهبلي، إلا أن هذه الحالات نادرة الحدوث.

أما بالنسبة للطفل، فمن النادر أيضًا أن يتعرض لكدمات أو إصابات جسدية أو نقص في الأكسجين أو اختناق أثناء الولادة الطبيعية، وهي كذلك من المضاعفات غير الشائعة.

ويؤكد أن الولادة القيصرية تصبح البديل المناسب للولادة الطبيعية عند وجود معوقات للوضع الطبيعي، كما تسهم في إنقاذ حياة بعض الأمهات والأطفال، إلا أن ذلك لا يعني خلوها من الآثار السلبية، ومنها طول فترة التعافي، وارتفاع معدلات النزيف مقارنة بالولادة الطبيعية.

ومن بين المضاعفات الأخرى التصاقات الرحم بالأنسجة المجاورة، وما قد يترتب عليها من آلام بالحوض، فضلًا عن احتمالات حدوث مشيمة ملتصقة، أو إصابات بالمثانة أو الأمعاء أثناء الجراحة، بالإضافة إلى مضاعفات التخدير سواء النصفي أو الكلي.

ويضيف د. شاهين أن الولادات القيصرية ترفع نسب احتجاز الأطفال داخل الحضانات نتيجة الاضطرابات التنفسية، وهو ما يزيد احتمالات العدوى ويشكل عبئًا اقتصاديًا إضافيًا على الأسرة.

أسباب القيصرية
ويوضح أخصائي النساء والتوليد أن وصول معدلات الولادة القيصرية إلى نحو 80% يرجع إلى عدة أسباب تتعلق بالسيدات الحوامل أنفسهن، وأخرى ترتبط بالمؤسسات الطبية.

فمن بين الأسباب المتعلقة بالسيدات، رغبة الكثيرات في تحديد موعد مسبق للولادة دون انتظار المخاض الطبيعي، إلى جانب الخوف من الولادة الطبيعية أو الاعتقاد الخاطئ بأن القيصرية أكثر أمانًا.

كما أسهم ارتفاع متوسط أعمار الحوامل خلال السنوات الأخيرة في زيادة معدلات القيصرية، إذ أدى تأخر سن الزواج والإنجاب لدى بعض السيدات إلى حدوث الحمل الأول في الفئة العمرية من 35 - 40 عامًا، وهي مرحلة قد ترتبط بزيادة احتمالات الحمل الحرج أو الحاجة إلى تدخلات طبية أكبر أثناء الولادة، كذلك ساهمت زيادة حالات الحمل المتعدد الناتجة عن الحقن المجهري أو تنشيط التبويض في ارتفاع معدلات اللجوء إلى القيصرية.

ويضيف أن بعض السيدات يفضلن الولادة القيصرية بسبب تجارب سابقة غير جيدة مع الولادة الطبيعية، مثل النزيف أو تعسر الولادة أو إصابة الجنين، فضلًا عن الرغبة في تجنب الألم، كما أن زيادة نسبة النساء العاملات تدفع بعضهن إلى تحديد موعد الولادة مسبقًا لتنظيم إجازات العمل.

ولفت إلى أن بعض السيدات ينظرن إلى الولادة القيصرية باعتبارها نوعًا من الرفاهية الاجتماعية، وإن كان ذلك يحدث بنسبة محدودة، مؤكدًا أهمية التوعية الطبية والتثقيف الصحي بفوائد الولادة الطبيعية وآثار القيصرية السلبية، إلى جانب دعم المستشفيات بالأجهزة والإمكانات اللازمة.

أما الأسباب المرتبطة بالمؤسسات الطبية فتشمل التقدم في تشخيص الحالات المعقدة، مثل المشيمة المتقدمة أو الملتصقة، أو الأورام الليفية بعنق الرحم، ما يدفع الأطباء إلى اللجوء للقيصرية كخيار أكثر أمانًا.

كما ساهم تراجع استخدام بعض الأساليب التقليدية، مثل الولادة المقعدية أو التوليد بالأدوات المساعدة، إضافة إلى استجابة بعض الأطباء لرغبات الأمهات، أو الرغبة في تقليل المسئولية القانونية وتنظيم ساعات العمل، في زيادة معدلات القيصرية.

حياة وليست مرض
وفي هذا السياق، يشير الدكتور مصطفى محمود الديب، رئيس قسم علم النفس ومدير وحدة ضمان الجودة بكلية الآداب جامعة بنها، إلى أن الولادة ليست مرضًا يحتاج إلى جراحة، بل هي حياة تحتاج إلى احتواء.

ويؤكد أن الأرقام تكشف واقعًا صادمًا، إذ أصبحت مصر من أعلى دول العالم في معدلات الولادة القيصرية، ما يعني أن الولادة الطبيعية لم تعد الخيار الأساسي كما كانت في السابق، بل أصبحت الجراحة هي الخيار الأكثر انتشارًا، مشيرًا إلى أنه في دول مثل السويد والنرويج لا تتجاوز النسبة نحو 16%، وهو ما يكشف حجم الفجوة بين مصر والمعدلات الطبيعية عالميًا.

رهاب الألم
ويقول د. مصطفى إن وراء هذا الإقبال الكبير على القيصرية أسبابًا نفسية واجتماعية عميقة، أبرزها ما يُعرف بـ«التوكوفوبيا» (Tokophobia)، أي الخوف المرضي الشديد من الولادة الطبيعية وآلامها.

ويوضح أن بعض السيدات يشعرن بأن الولادة القيصرية تمنحهن إحساسًا أكبر بالسيطرة، لأنهن يحددن موعد الولادة ويتجنبن ألم المخاض المفاجئ.

كما يشير إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا كبيرًا في زيادة هذا الخوف، حيث تمتلئ صفحات الأمهات بقصص مرعبة عن الولادة الطبيعية، ما يخلق حالة من القلق الجماعي لدى الحوامل، ويجعل القيصرية تبدو وكأنها الخيار الأسهل والأكثر أمانًا.

ويضيف أن هناك جانبًا تربويًا ونفسيًا لا يمكن تجاهله، إذ إن بعض النساء اللاتي يطالبن بالولادة القيصرية دون ضرورة طبية قد نشأن في بيئة تعتمد على تجنب الألم وصعوبة تحمل المسئولية، ما يجعلهن أكثر ميلًا للهروب من التجارب المرهقة أو غير المتوقعة والبحث عن الحل الأسرع والأقل معاناة، حتى لو كان جراحة كاملة.

آثار نفسية
وهناك آثار نفسية قد لا تنتبه إليها كثير من الأمهات، إذ تشير بعض الدراسات إلى وجود ارتباط بين الولادة القيصرية وزيادة احتمالية الإصابة باكتئاب ما بعد الولادة (Postpartum Depression)، وهو اضطراب نفسي قد يصيب الأم بعد الولادة ويتسبب في الحزن الشديد والقلق والإرهاق والانفصال العاطفي المؤقت عن الطفل.

كما أن الولادة الطبيعية تساعد الجسم على إفراز هرمون الأوكسيتوسين، المعروف باسم «هرمون الحب والارتباط»، وهو المسئول عن تعزيز مشاعر الترابط بين الأم ورضيعها.

وفي بعض الولادات القيصرية، خاصة التي تتم قبل بدء الطلق الطبيعي، قد يقل إفراز هذا الهرمون خلال الساعات الأولى بعد الولادة.

كذلك فإن الألم الناتج عن الجراحة وصعوبة الحركة بعد الولادة قد يزيدان من شعور الأم بالإجهاد والتوتر، ما يؤثر أحيانًا في قدرتها على الاستجابة السريعة لاحتياجات طفلها أو تحمل البكاء المستمر، خاصة إذا كانت تعاني من اكتئاب ما بعد الولادة.

وتوضح الأبحاث أن المشكلة ليست في القيصرية وحدها، وإنما في الحالة النفسية التي قد تليها، إذ تشير دراسات إلى أن الأمهات المصابات باكتئاب حاد بعد الولادة يكن أقل قدرة على التفاعل العاطفي الطبيعي مع أطفالهن، سواء كانت الولادة طبيعية أو قيصرية.

وفي حالات نادرة جدًا قد تصاب بعض الأمهات بما يُعرف بـ«ذهان ما بعد الولادة» (Postpartum Psychosis)، وهو اضطراب نفسي حاد قد يسبب خللًا شديدًا في التفكير والمشاعر، ويتطلب تدخلًا وعلاجًا نفسيًا عاجلًا.

ورغم خطورة هذه التداعيات، يؤكد المتخصصون أن الدعم النفسي والأسري يلعب دورًا كبيرًا في حماية الأم، خاصة دعم الزوج والأسرة، إلى جانب التدخل المبكر بالعلاج النفسي عند ظهور أعراض القلق أو الاكتئاب.

الدعم النفسي والتدريب للأم
ويطالب د. الديب بضرورة إعادة نشر ثقافة الولادة الطبيعية، وتوفير دعم نفسي حقيقي للمرأة الحامل داخل المستشفيات، مع تدريب الأمهات على تقنيات التنفس والاسترخاء، وعدم تحويل الولادة إلى عملية تجارية تحكمها اعتبارات الربح والسرعة.

كما يدعو إلى استخدام برامج العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، لمساعدة الحوامل على التخلص من الرعب المرتبط بآلام الولادة، بالإضافة إلى إعادة دور القابلة أو المرافقة النفسية للأم أثناء الولادة.

وفي النهاية، يرى د. الديب أن أزمة الولادة القيصرية في مصر لم تعد مجرد قضية طبية، بل أصبحت قضية نفسية واجتماعية وثقافية، تحتاج إلى إعادة بناء وعي المجتمع وتعزيز ثقة المرأة في جسدها وقدرته الطبيعية على الولادة.
 

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية