تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > News List > سبوت : التلوث الكربوني والإنقاذ البيئي.. "حجج" إيرانية لتأميم مضيق هرمز
source icon

سبوت

.

التلوث الكربوني والإنقاذ البيئي.. "حجج" إيرانية لتأميم مضيق هرمز

كتب: مصطفى أمين عامر

تحت غطاء الحجج البيئية والخدمات اللوجستية ومكافحة التلوث الكربوني والحد من تأثير المخلفات النفطية، تحاول إيران شرعنة فرض رسوم مالية على مضيق هرمز، كخطوة أولى لتحويله مستقبلاً إلى ممر ملاحي خاضع لسيطرتها الإدارية والمالية المطلقة، وهو ما اعتبره خبراء خطوة علنية نحو "تأميم" هذا الشريان البحري الحيوي.

كما يعكس هذا التحرك - بحسب قولهم - مناورة قانونية بصياغة لغوية مدروسة، تعتمد على استغلال الثغرات الموجودة في المادة (26) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، عبر سعي طهران للالتفاف على الحظر الدولي المفروض على جباية رسوم المرور من خلال إعادة تصنيفها كـ "أجور خدمات عينية وأمنية" لم تطلبها السفن أساساً، وهو ما يعد انتهاكاً صريحاً لحق "المرور العابر" وحرية الملاحة الدولية، بل يمثل أزمة موقوتة تهدد سلاسل الإمداد العالمية وأسواق الطاقة، في سابقة خطيرة قد تحول كافة المضائق المائية المفتوحة في العالم إلى مصادر إيراد مالي للدول المطلة عليها.

حجج إيرانية
اعتبر الدكتور مصطفى صلاح، مدير مركز شمس للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن ما تسعى إليه طهران لتحصيل رسوم عبر مضيق هرمز تحت مسميات بيئية ولوجستية وخدمية، مجرد حجج إيرانية لتقاضي ثمن المرور عبر المضيق، واستغلال للثغرات الموجودة في القانون البحري الدولي لتحويل المضيق من ممر مائي مفتوح ومجاني بالكامل إلى ممر تفرض فيه إيران سلطتها الإدارية والمالية.

التلوث البيئي
وأوضح أنه لا يوجد ما يسمى استرداد تكاليف الخدمات الخاصة بسلامة السفن والبيئة البحرية في المضائق البحرية، ولذلك طرحت طهران تأسيس ما أطلقت عليه "صندوق التعويض البيئي"، الذي تستطيع من خلاله تحصيل رسوم خاصة بمواجهة التلوث الكربوني وتأثير المخلفات النفطية والمياه الملوثة التي تصرفها السفن العابرة للمضيق، بالإضافة إلى رسوم أخرى خاصة بتمويل مراكز الإنقاذ البيئي ومكافحة التلوث البحري تحت دعوى حماية التنوع البيولوجي وصيد الأسماك، حيث يعد الخليج العربي ومضيق هرمز من أكثر الممرات المائية تلوثاً وتضرراً بسبب كثافة حركة ناقلات النفط.

خدمات لوجستية ملاحية
ويشير د. مصطفى إلى أن إيران تدعي أنها تتحمل تكاليف تشغيلية لضمان بقاء المضيق آمناً ومنظماً، عبر وسائل لوجستية تتمثل في خدمات الإرشاد البحري واستخدام أنظمة الرادار والتوجيه الإيرانية وفصل الممرات، وتأسيس هيئة "سلطة مضيق الخليج الفارسي" للإشراف على تنظيم خطوط السير وتفادي الاصطدام، مع أن تلك الخدمات لم تكن موجودة أصلاً، وكانت وليدة الأحداث الأمنية الأخيرة، واستفادت منها طهران في فرض مسارات محددة للسفن لتمر عبر مياهها الإقليمية قرب جزيرة لارك، وربط العبور الآمن والتفتيش اللوجستي بدفع رسوم خدمات إدارية وأمنية وصلت على بعض السفن إلى ملايين الدولارات.

توظيف سياسي
وشدد على أن إيران تحاول إضفاء الشرعية الدولية على هذه الرسوم عبر القنوات الدبلوماسية، وعلى رأسها مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة الأمريكية، تحت مسمى "الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية" في المضيق، بما يمنحها شرعية تفاوضية ويساعد على تحويلها إلى أمر واقع عبر المفاوضات والاتفاقات، وهو الأمر الذي يواجه بمعارضة شرسة من الهيئات البحرية الدولية والدول المستهلكة للنفط، التي ترى أنه لا يجوز تقييد حق المرور العابر أو تعليقه أو حتى ربطه بشروط مالية غامضة، وأن فرض رسوم إجبارية تحت مسمى "خدمات" لم تطلبها السفن يعتبر مخالفة صريحة لروح القانون الدولي وتعدياً على حرية الملاحة.

نموذج مضيق ملقا
ونوه د. مصطفى إلى أن محاولة الطمأنة الإيرانية بأن هذه ليست ضرائب مرور رسمية، بل مجرد رسوم خدمات مرتبطة بالأمن والحماية البيئية والمساعدات البحرية، تشبه الطرح الخاص بنموذج المطالب الذي تقدمه الدول المطلة على مضيق ملقا (ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة) لإنشاء صناديق دولية تساهم فيها شركات الشحن والدول المستفيدة لتمويل الأمن والسلامة البيئية للمضيق.

وحذر من أن هذه الرسوم قد ترفع تكاليف النقل وأقساط التأمين، مما قد يزيد من أسعار الطاقة العالمية في وقت تعاني فيه الأسواق بالفعل من حالة عدم اليقين، كما أن الاتحاد الأوروبي حذر من أي خطة قد تقيد العبور الحر عبر الممر المائي، يضاف إلى ذلك إصرار العديد من مشغلي الشحن الرئيسيين على أنهم سيستمرون في اتباع قواعد الملاحة الدولية ومقاومة دفع أي رسوم للعبور عبر المضيق.

أزمة موقوتة
واختتم د. مصطفى حديثه بقوله إن الجدل الدائر، وإن كان يبدو تقنياً، فإن نتائجه تحمل عواقب وخيمة على العالم؛ إذ إن أي تكاليف إضافية تُفرض على السفن التي تعبر مضيق هرمز ستنعكس في النهاية على سلاسل الإمداد العالمية وأسواق الطاقة وأسعار المستهلكين في جميع أنحاء العالم، وحتى إن سمحت إيران بأن يبقى المضيق مفتوحاً لمدة 60 يوماً، فإن القواعد المستقبلية التي تحكمه ستظل محل جدل ونقاش لم يُحسم بعد.

التفريق القانوني
وقال الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام، إن مضيق هرمز يُصنف كمضيق دولي، وينطبق عليه حق "المرور العابر"، الذي يمنع الدول المشاطئة له من فرض أي رسوم أو ضرائب على السفن لمجرد العبور، وذلك بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، إلا أن إيران، لكي تتجنب الصدام المباشر مع هذا العرف الدولي وتفادي اتهامها بفرض "مكوس" أو "رسوم مرور"، تركز على التفريق القانوني بين "رسوم المرور" و"أجور الخدمات العينية المستحقة".

وأشار إلى أن الغطاء القانوني لذلك يتمثل في الاستناد إلى المادة (26) من اتفاقية قانون البحار، التي وقعت عليها إيران عام 1982 لكنها لم تصادق عليها برلمانياً، حيث تنص المادة على أنه "لا يجوز فرض أي رسوم على السفن الأجنبية لمجرد مرورها عبر البحر الإقليمي، إلا كعوض عن خدمات محددة قُدمت لهذه السفن"، معتبراً أن ذلك يمثل مخططاً قانونياً بالغ الذكاء لفرض سيطرة مالية دائمة على مضيق هرمز دون الاصطدام المباشر بالقانون الدولي البحري.

تملص لغوي مدروس
واعتبر د. مهران أن إعلان المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أن بلاده لا تفرض رسوم عبور، بل تقدم خدمات ملاحية وبيئية وأمنية تتطلب تغطية تكاليفها، هو "صياغة لغوية مدروسة" تحاول التملص من حظر اتفاقية قانون البحار، كما أن كشف نائب إيراني بارز عن أن هذه الرسوم تتراوح بين مليون ونصف ومليوني دولار للسفينة الواحدة وتُدفع باليوان الصيني لا بالدولار الأمريكي، يعكس توجهاً مقصوداً لتعزيز التحالف الاقتصادي مع بكين وتحدي هيمنة الدولار.

وأضاف أن الحجة القانونية الإيرانية تستند إلى ثغرة حقيقية في المادة 26 فقرة (2) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تجيز فرض رسوم مقابل خدمات محددة تُقدم للسفينة شريطة عدم التمييز بين الجنسيات، وأن هذه الثغرة تختلف جوهرياً عن الفقرة الأولى من المادة ذاتها التي تحظر صراحة فرض أي رسوم على السفن الأجنبية بسبب مجرد مرورها في البحر الإقليمي، موضحاً أن إيران تعيد تصنيف رسوم العبور المحظورة تحت مسمى رسوم خدمات مسموح بها، وهو ما يعد مناورة قانونية تستوجب رداً دولياً حازماً.

قانون البحار
ولفت إلى أن المادة (42) من اتفاقية قانون البحار تنص على أن القوانين والأنظمة التي تضعها الدول المشاطئة للمضائق لا يجوز أن يكون لها من الناحية العملية أثر إنكار حق المرور العابر أو عرقلته أو إضعافه، وهو بالضبط ما تفعله الرسوم الإلزامية حين تحول المرور الحر إلى خدمة مدفوعة. كما أن المادة (38) تنص بوضوح على أن جميع السفن تتمتع بحق المرور العابر الذي لا يجوز تعليقه، وأن هذا الحق بطبيعته مجاني وغير مقيد بشرط الدفع مقابل خدمات غير مطلوبة.

وحذر من أن الأثر الاقتصادي لنجاح المخطط الإيراني سيكون هائلاً؛ فعلى فرضية مرور 50 سفينة يومياً برسوم تبلغ في المتوسط 1.75 مليون دولار للسفينة، سوف تجني إيران ما يقارب 32 مليار دولار سنوياً من مضيق يعبره 20% من نفط العالم. كما أن فرض الرسوم باليوان الصيني يعزز محور بكين - طهران ويهدد مكانة الدولار في تجارة الطاقة العالمية بما يتجاوز أثر الرسوم نفسها.

سابقة خطيرة
واختتم د. مهران حديثه بقوله إن تكريس هذا النظام، سواء باتفاق أو بحكم الأمر الواقع، سيحدث سابقة خطيرة في القانون الدولي البحري، تمكن كل دولة مشاطئة لممر دولي من ابتكار منظومات خدمات ملزمة تحول المرور الحر إلى مصدر إيراد دائم، وسوف يصبح مضيق هرمز نموذجاً يُحتذى به في مضائق أخرى حول العالم.
 

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية