تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
بينما كانت منصات التواصل الاجتماعي لا تزال تضج بالجدل حول منظومة «الطيبات»، أيدت هيئة التأديب الاستئنافية للأطباء، التابعة لمحكمة استئناف القاهرة، في الأول من يوليو الماضي، قرار هيئة التأديب الابتدائية بالنقابة العامة للأطباء، بإيقاف الطبيب المعروف إعلاميًا بـ «طبيب سم النحل ومنقوع التين والكركمين» عن مزاولة المهنة لمدة عام.
ولم يكن هذا الحكم مجرد إجراء تأديبي بحق طبيب، بل أعاد فتح ملف شائك يتعلق بانتشار ما يُعرف بالطب البديل، وأثار تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين الاجتهاد العلاجي والالتزام بالبروتوكولات الطبية، وبين حق المريض في البحث عن الأمل، وخطورة الانجراف خلف علاجات لا تستند إلى أدلة علمية موثقة.
وفي هذا التقرير، يرصد موقع سبوت الأسباب النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي تدفع المرضى إلى اللجوء لمثل هذه العلاجات، ورؤية الخبراء لهذه الظاهرة.
ولم يكن هذا الحكم مجرد إجراء تأديبي بحق طبيب، بل أعاد فتح ملف شائك يتعلق بانتشار ما يُعرف بالطب البديل، وأثار تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين الاجتهاد العلاجي والالتزام بالبروتوكولات الطبية، وبين حق المريض في البحث عن الأمل، وخطورة الانجراف خلف علاجات لا تستند إلى أدلة علمية موثقة.
وفي هذا التقرير، يرصد موقع سبوت الأسباب النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي تدفع المرضى إلى اللجوء لمثل هذه العلاجات، ورؤية الخبراء لهذه الظاهرة.
غسيل مخ
يرى الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، أن انجراف المرضى وراء هذه العلاجات يرجع إلى عاملين رئيسيين.
أولهما: سهولة الوصفة العلاجية، إذ يلجأ بعض المروجين إلى تقديم علاج واحد باعتباره قادرًا على علاج عشرات الأمراض المختلفة، وهو ما يلقى قبولًا لدى المرضى الباحثين عن حلول سريعة.
أما العامل الثاني: فهو التأثير الهائل لوسائل التواصل الاجتماعي وبعض المنصات الإعلامية، التي تمارس ـ بحسب وصفه ـ ما يشبه «غسيل المخ»، عبر حملات دعائية مكثفة توهم المريض بأن الشفاء الكامل أصبح قريبًا، وأن معاناته ستنتهي بوسائل بسيطة، مثل العلاج بـ «سم النحل» أو بعض الأعشاب والخلطات الطبيعية.
خدعة استرداد الأموال
ويضيف د. فرويز أن كثيرًا من مروجي هذه المنتجات يستخدمون حيلة التسويق القائم على وعد المريض باسترداد أمواله إذا لم تتحقق النتيجة المرجوة، لكن عند مطالبتهم بتنفيذ هذا الوعد، تكون الإجابة المعتادة «لقد قمنا بما علينا، والشفاء بيد الله».
ويؤكد أن المريض يصبح فريسة سهلة لمن يستغلون احتياجه النفسي ورغبته في التخلص من الألم أو استعادة الصحة أو الشباب أو القدرة الجسدية، خصوصًا من يعانون أمراضًا مزمنة مثل آلام المفاصل والفقرات، أو مشكلات الإنجاب، أو الأمراض المستعصية.
الهروب من العلاج التقليدي
ويشير استشاري الطب النفسي إلى أن كثيرًا من المرضى يلجؤون إلى هذه العلاجات بعد شعورهم بالإحباط من طول فترة العلاج التقليدي، وعدم إحراز نتائج سريعة، وهو ما يجعلهم أكثر استعدادًا نفسيًا لتصديق أي وعد بالشفاء.
ويضرب مثالًا بما عُرف سابقًا بـ «الحبة الكاملة» أو «حبة القمح»، التي روج لها الطبيب الراحل ضياء العوضي، موضحًا أنها قد تساعد على تحسين الهضم وامتصاص بعض الأطعمة، لكنها لا تعالج مرضي السكري أو ضغط الدم، كما رُوج لها.
ويؤكد أن أي علاج لا بد أن يخضع للدراسات العلمية، ويحصل على اعتماد الجهات الرقابية المختصة، مثل هيئة الدواء المصرية أو الهيئات الدولية المعنية.
فوضى الإعلان الطبي
وينتقد د. فرويز حالة الانفلات الإعلاني التي يشهدها الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، مشيرًا إلى أن بعض القنوات والمنصات أصبحت تتيح الترويج لعلاجات ومنتجات غير مثبتة علميًا، في الوقت الذي كان فيه نشر أي معلومة طبية في السابق يمر عبر الأبحاث العلمية والمؤتمرات الطبية والجامعات المعترف بها.
رحلة الدواء
من جانبه، يقدم الدكتور طه أبو حسين، أستاذ علم الاجتماع، قراءة اجتماعية وفلسفية للظاهرة، موضحًا أن الطب الحديث في الأساس نشأ من النباتات والأعشاب.
ويضرب مثالًا بلحاء شجر الصفصاف، الذي استخدمه المصريون القدماء والإغريق لعلاج الحمى، قبل أن ينجح العلماء في القرن التاسع عشر في استخلاص مادة «الساليسين»، التي تطور منها لاحقًا دواء الأسبرين.
ويضيف أن انتقال الطب من الأعشاب إلى الأقراص الدوائية لم يكن رفاهية، وإنما جاء لضبط الجرعات، وضمان السلامة والفاعلية، وتجنب الآثار الجانبية الناتجة عن تناول كميات كبيرة من الأعشاب للحصول على المادة الفعالة.
التعلق بالقشة
ويرى د. أبو حسين أن المريض عندما تطول معاناته يدخل في حالة نفسية تدفعه للتشبث بأي أمل، حتى وإن كان غير قائم على أسس علمية، ويصف هذه الحالة بأنها «سيكولوجية التعلق بالقشة»، حيث يصبح الإنسان أكثر استعدادًا لتصديق أي وسيلة قد تمنحه فرصة للشفاء.
ويؤكد أن ضعف الثقافة الطبية لدى بعض المرضى يجعلهم أكثر عرضة للوقوع ضحية للوصفات المجهولة، وهو ما يفرض ضرورة توفير دعم نفسي واجتماعي لهم، إلى جانب العلاج الطبي.
الطب والاقتصاد
ويتوسع أستاذ علم الاجتماع في تحليله، معتبرًا أن الاقتصاد العالمي أصبح أحد العوامل المؤثرة في صناعة الدواء، في ظل هيمنة الشركات الكبرى على سوق الأدوية.
ويرى أن العالم انتقل من أشكال الاحتلال التقليدية إلى ما يسميه «الهيمنة الناعمة»، التي تشمل السيطرة الاقتصادية والثقافية والغذائية، بل والصحية أيضًا.
ويشير إلى أن نقابات الأطباء في مختلف دول العالم تلتزم ببروتوكولات علاجية موحدة تستند إلى الأدلة العلمية، وهو ما يجعلها ترفض أي علاج لم يخضع للتجارب الإكلينيكية والدراسات المعتمدة.
هل يحارب الطب البديل؟
ورغم انتقاده للنموذج الاقتصادي العالمي، يؤكد د. أبو حسين أنه لا يمكن قبول أي وسيلة علاجية قبل إثبات فاعليتها علميًا، حتى وإن كانت منخفضة التكلفة.
ويقول إن بعض المستشفيات الأوروبية تستخدم العلاج بالماء (Hydrotherapy)، لكن ذلك يتم وفق بروتوكولات علمية محددة، وليس باعتباره بديلًا عشوائيًا للعلاج الطبي.
صمام أمان
ويؤكد أستاذ علم الاجتماع أن موقف نقابة الأطباء يمثل ضمانة لحماية المرضى، موضحًا أن البروتوكولات الطبية تمنع تحويل المرضى إلى حقول للتجارب الفردية، حتى لو كان الطبيب حسن النية.
كما يشير إلى أن المريض يدخل إلى الطبيب في حالة من الضعف والثقة الكاملة، وهو ما يفرض مسؤولية أخلاقية ومهنية كبيرة على الطبيب.
قضية «سم النحل»
وبشأن قضية الطبيب المعروف إعلاميًا بـ «طبيب سم النحل»، يرى د. أبو حسين أن القضية تتقاطع بين حق الطبيب في البحث العلمي، وحق المجتمع في الحماية من الترويج لعلاجات لم تثبت فاعليتها علميًا.
كما ينتقد بشدة استعانة بعض مروجي المنتجات العشبية بمشاهير الفن والدين في حملاتهم الدعائية، معتبرًا ذلك نوعًا من «الابتزاز العاطفي» واستغلال ثقة الجمهور في الشخصيات العامة.
ويقول: «إذا كان أصحاب هذه المنتجات واثقين من نجاحها، فليتركوها للبحث العلمي والتجارب السريرية، فالعلم وحده هو الفيصل».
الأمن الصحي يبدأ من الغذاء
ويختتم د. أبو حسين حديثه بالتأكيد على أن حماية المجتمع صحيًا وغذائيًا تتطلب تكامل ثلاثة أطراف؛ المستهلك، من خلال الامتناع عن شراء الأغذية مجهولة المصدر أو المنتجات غير الموثقة، والبائع، بالالتزام بالأمانة وعدم تداول الأغذية الفاسدة أو المنتجات المضللة، والدولة، عبر تشديد الرقابة على الأسواق، ومواجهة الغش التجاري، وضبط الإعلانات الطبية المخالفة، مؤكدًا أن ما تنفقه الدولة على الوقاية والرقابة يوفر مليارات الجنيهات التي قد تُنفق لاحقًا على علاج الأمراض.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية