تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > News List > سبوت : 2026 : يوليو : عندما يصبح كل شيء "مستعجلًا".. نمط الحياة السريع يهدد صحتك
source icon

يوليو

.

عندما يصبح كل شيء "مستعجلًا".. نمط الحياة السريع يهدد صحتك

كتب:مروة علاء الدين

في زمن أصبحت فيه السرعة معيارًا للنجاح، والإنجاز المتواصل هدفًا لا يتوقف، يجد كثيرون أنفسهم يعيشون في سباق دائم مع عقارب الساعة، ويشعرون بالضيق من أي تأخير مهما كان بسيطًا، ومع استمرار هذا الإيقاع المتسارع، قد يتحول الإحساس الطبيعي بضيق الوقت إلى نمط سلوكي مرهق يعرف بـ "متلازمة الاستعجال"، وهي حالة يحذر خبراء الصحة النفسية من آثارها على الصحة الجسدية والنفسية، لما تسببه من توتر مزمن واضطرابات في النوم وتراجع في جودة الحياة، إذا تُركت دون انتباه أو تدخل.

فما متلازمة الاستعجال؟ وكيف يمكن التفرقة بينها وبين ضغوط الحياة الطبيعية؟ وهل يمكن الوقاية منها قبل أن تتحول إلى عبء نفسي وصحي؟

متلازمة الاستعجال
يقول الدكتور علي النبوي، استشاري الطب النفسي، إن متلازمة الاستعجال تشير إلى حالة يعيش فيها الشخص شعورًا دائمًا بضرورة الإسراع في كل ما يقوم به، حتى وإن لم يكن هناك سبب حقيقي لذلك، فيشعر وكأن الوقت لا يكفي لإنجاز مسئولياته، ويظل منشغلًا بالتفكير فيما يجب أن ينجزه بعد ذلك، قبل الانتهاء من المهمة الحالية، ورغم أن هذا المصطلح يتداول بين المتخصصين لوصف نمط سلوكي شائع، فإنه لا يُعد اضطرابًا نفسيًا مستقلًا في التصنيفات الطبية المعتمدة، وإنما يُنظر إليه باعتباره استجابة مستمرة لضغوط الحياة الحديثة، وما فرضته التكنولوجيا من سرعة في الأداء وتعدد في المهام.

ويحذر د. النبوي من تجاهل هذه الحالة، خاصة عندما تصبح جزءًا ثابتًا من حياة الإنسان، لأنها قد تستنزف طاقته النفسية وتؤثر في علاقاته الاجتماعية وأدائه اليومي، وقد تتطور إلى مشكلات نفسية وجسدية أكثر تعقيدًا إذا لم يتم الانتباه إليها مبكرًا.

علامات الإصابة
ويوضح استشاري الطب النفسي أنه تنجم هذه المتلازمة عن منظومة سلوكية متكاملة، وهناك عدد من المؤشرات والسمات التي قد تدل على أن الشخص يعاني من متلازمة الاستعجال، ومن أبرزها:

- الإسراع السلوكي: المشي بوتيرة سريعة للغاية، أو قيادة السيارة بتسرع، أو تناول الطعام بآلية سريعة دون استمتاع، والحديث المتلاحق مع الآخرين ومقاطعتهم.
- الوهم الزمني: الشعور الدائم بضرورة الانتهاء من المهام في أسرع وقت، حتى لو لم يكن هناك داعٍ أو موعد نهائي صارم لذلك.
- الحسابات الذهنية: التفكير باستمرار في كيفية استغلال كل دقيقة، وإجراء حسابات ذهنية طوال اليوم لمعرفة إمكانية إنجاز مهمة إضافية.
- عدم التحمل: الانزعاج الشديد والتوتر من أي تأخير، حتى لو كان بسيطًا وخارجًا عن الإرادة، مثل الانتظار في طابور أو أمام إشارة المرور.
- التشتت الإدراكي: الرغبة في تنفيذ أكثر من مهمة في الوقت نفسه، ما يؤدي غالبًا إلى تراجع مستوى التركيز والوقوع في أخطاء متكررة بسبب التسرع، ثم الحاجة إلى إعادة إنجاز العمل مرة أخرى.
- الاستباق الفكري: التفكير في الخطوة أو المهمة التالية والانشغال بها تمامًا قبل الانتهاء من المهمة الحالية التي بين يديه.
- الاستثارة الانفعالية: العصبية الزائدة وسرعة الانفعال عند حدوث أي عائق أو تغيير طارئ يؤخر سير اليوم المخطط له.
- الاختصار المزمن: السعي المستمر لاختصار الوقت بأي وسيلة كانت، حتى لو كان ذلك على حساب جودة الأداء أو العلاقات.
- القلق الدائم: الشعور المزمن بالتوتر والقلق، حتى في أوقات الراحة والإجازات، حيث يجد الشخص صعوبة في الاسترخاء.

دراسات علمية
وتدعم الدراسات العلمية التأثيرات السلبية للاعتياد على أداء عدة مهام في الوقت نفسه، فقد توصلت دراسة أجراها باحثون من جامعة ستانفورد إلى أن الأشخاص الذين يمارسون تعدد المهام بصورة متكررة يكونون أكثر عرضة للتشتت وضعف التركيز مقارنة بمن ينجزون مهمة واحدة في كل مرة، وهو ما قد ينعكس على كفاءة الأداء واتخاذ القرار.

وفي سياق متصل، يرى الدكتور عماد عطا الله، استشاري الطب النفسي، أن الشعور بالعجلة من حين لآخر أمر طبيعي تفرضه بعض المواقف الحياتية، لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول هذا الشعور إلى أسلوب حياة دائم وعابر للمواقف، موضحًا أن الشخص يعيش وقتها في حالة استنفار عصبي مستمرة، وكأن عقله في وضع التأهب الدائم لمواجهة المخاطر، فلا يمنحه فرصة كافية للهدوء أو الاسترخاء.

ويضيف د. عطا الله أن استمرار هذا النمط لفترات طويلة قد يزيد من إفراز هرمونات التوتر في الجسم مثل "الكورتيزول" و"الأدرينالين"، وهو ما قد يؤثر في القدرة على التركيز، والتحليل، واتخاذ القرارات السليمة. وينعكس هذا التغير سلبًا على العلاقات الأسرية والاجتماعية بسبب سرعة الانفعال، وضعف القدرة على الاستماع، وعدم الصبر على الآخرين، مما قد يخلق فجوة مع المحيطين بالشخص المصاب.

الآثار الجسدية
ويؤكد د. عطا الله أن آثار متلازمة الاستعجال لا تقتصر على الشعور بالتوتر أو ضيق الوقت، بل قد تمتد لتؤثر في مختلف جوانب الصحة النفسية والجسدية، خاصة إذا استمرت لفترات طويلة دون التعامل معها. ويشير إلى أن استمرار الجسم في حالة تأهب يؤدي إلى ارتفاع مستويات التوتر، وهو ما قد ينعكس على كفاءة العديد من أجهزة الجسم الحيوية، ويزيد من احتمالية الإصابة بعدد من المشكلات الصحية.

ومن أبرز المضاعفات المحتملة التي تشير إليها التقارير الطبية؛ التوتر والقلق المزمن، ضعف التركيز وتراجع القدرة على التفكير بوضوح، سرعة الانفعال ونوبات الغضب، الشعور المستمر بالإحباط والحزن، اضطرابات النوم والأرق المنهك، تغير الشهية سواء بزيادة تناول الطعام أو فقدان الرغبة فيه، الصداع التوتري المتكرر، الإرهاق البدني والذهني الشديد، ضعف كفاءة الجهاز المناعي، اضطرابات الجهاز الهضمي الوظيفية مثل القولون العصبي وعسر الهضم، وزيادة احتمالات الإصابة بنوبات الاكتئاب لدى بعض الأشخاص نتيجة الإنهاك المستمر لمستقبلات النواقل العصبية مثل السيروتونين والدوبامين.

المشي الهادئ
ويتابع د. عماد عطا الله، أن علاج متلازمة الاستعجال لا يعتمد على العلاجات الدوائية في أغلب الحالات، وإنما يبدأ أساسًا بإعادة تنظيم نمط الحياة وتغيير بعض العادات اليومية، ومن الوسائل السلوكية التي تشير الدراسات إلى فاعليتها ممارسة المشي بوتيرة هادئة وبطيئة لمدة لا تقل عن 30 دقيقة يوميًا، إذ يساعد هذا التباطؤ المتعمد على تهدئة الجهاز العصبي، وتقليل مستويات التوتر، وإبطاء إيقاع التفكير المتسارع، ما يمنح الشخص فرصة لاستعادة الشعور بالهدوء والسيطرة على الضغوط. كما يسهم المشي المنتظم في تحسين الحالة المزاجية، ورفع الثقة بالنفس، وتقليل القلق، خاصة إذا تمت ممارسته في مساحات خضراء وبعيدًا عن مصادر الضوضاء والمشتتات.

اليقظة الذهنية
ومن الأساليب النفسية الفعالة التي يطرحها استشاري الطب النفسي أيضًا، ممارسة تمارين اليقظة الذهنية، والتي تعتمد على تركيز الانتباه في اللحظة الحالية، بدلاً من الانشغال الدائم بالمستقبل أو المهام القادمة، وتهدف هذه الممارسات إلى مساعدة الشخص على ملاحظة أفكاره ومشاعره وتأملها دون إصدار أحكام متسرعة، وهو ما يقلل من حدة التوتر ويمنح العقل فرصة لالتقاط الأنفاس والتعامل مع الضغوط بصورة أكثر هدوءًا، وتشمل تقنيات اليقظة الذهنية عددًا من التمارين البسيطة، مثل التأمل الموجه، وتمارين التنفس العميق، والتي تساعد على تنشيط مراكز الهدوء في الجهاز العصبي، وتخفيف الاستجابة الفسيولوجية المرتبطة بالتوتر. 

التنفس البطني
وينصح د. عطا الله بتجربة تمرين التنفس البطني عند الشعور بتسارع الأفكار، وذلك من خلال الجلوس في وضع مستقيم ومريح، ثم أخذ شهيق عميق ببطء عبر الأنف حتى يمتلئ البطن بالهواء، يليه إخراج الزفير تدريجيًا وببطء من الفم، مع تكرار هذه العملية لعدة دقائق. وتوضح الدراسات الفسيولوجية أن هذه الطريقة تساعد على تحفيز الجهاز العصبي للانتقال من حالة الاستنفار إلى حالة الاسترخاء، وهو ما ينعكس إيجابًا على تنظيم معدل ضربات القلب، وضبط ضغط الدم، ومنح الشخص شعورًا عامًا بالهدوء والاتزان.

الحواس الخمس
ومن التقنيات الميدانية المفيدة كذلك تمرين "الحواس الخمس"، وهو تقنية تساعد على كسر دائرة الأفكار المتسارعة وإعادة توجيه التركيز من الأفكار المستقبلية إلى الواقع المادي المحيط بالشخص. ويعتمد التمرين على تطبيق الخطوات التالية بالتتابع:

- النظر: ملاحظة خمسة أشياء يمكن رؤيتها بالعين في البيئة المحيطة والتركيز في تفاصيلها.
- اللمس: لمس أربعة أشياء مختلفة في المكان واستشعار ملمسها (مثل الأسطح المختلفة).
- السمع: الاستماع بإنصات إلى ثلاثة أصوات مختلفة تدور في الخلفية.
- الشم: التعرف على رائحتين أو ثلاث روائح محيطة في الغرفة أو المكان.
- التذوق: تذوق شيء واحد متاح، أو استشعار طعم الفم الحالي.

ويساعد هذا التكنيك الحسي على تشتيت القلق، وتهدئة العقل، وتقليل شدة التوتر وإعادة الشخص إلى الواقع الحالي.

الأسباب الحديثة
من جانبها، تشخص الدكتورة ميرفت رجب، استشاري الصحة النفسية، الأبعاد المجتمعية لهذه الحالة قائلة إن متلازمة الاستعجال أصبحت أكثر انتشارًا في السنوات الأخيرة بسبب الاعتماد المفرط على التكنولوجيا الحديثة، وضغوط العمل المتزايدة، والرغبة المستمرة في الإنجاز السريع.

وتوضح د. ميرفت أن المقارنة الدائمة مع الآخرين عبر منصات ومواقع التواصل الاجتماعي، والتي تعرض غالباً النجاحات السريعة، تجعل كثيرًا من الأشخاص يشعرون بأنهم متأخرون في سباق الحياة، فيسعون إلى إنجاز كل شيء بأقصى سرعة ممكنة، وهو ما يضاعف من حجم الضغوط النفسية والذهنية المسلطة عليهم.

وتؤكد د. ميرفت أن الإنسان كائن بيولوجي محدود الطاقة، وهو ليس مطالبًا بإنجاز كل المهام دفعة واحدة، ولا ينبغي أن يحمل نفسه هذا القدر من الضغوط؛ بل إن تنظيم الأولويات بمرونة، ومنح النفس فترات راحة بينية منتظمة، وتقبل الحقيقة الإنسانية بأن بعض الأمور الحيوية تحتاج بطبيعتها إلى وقت لتنضج، تعد من أهم وسائل الوقاية النفسية من هذا النمط السلوكي، كما تشدد على أن طلب المساعدة المتخصصة من الطبيب النفسي أو الأخصائي النفسي يعد خطوة مهمة وضرورية إذا بدأت هذه الحالة تؤثر سلبًا في كفاءة العمل، أو جودة العلاقات الاجتماعية والأسرية، أو أخلت بجودة الحياة العامة للإنسان.

قد لا يكون بإمكاننا إبطاء إيقاع الحياة، لكن يمكننا أن نغيّر طريقة تعاملنا معه. فالتمهل، وإعادة ترتيب الأولويات، ومنح النفس فرصة لالتقاط الأنفاس، ليست رفاهية، بل خطوات ضرورية لحماية الصحة النفسية وجودة الحياة في عالم لا يتوقف عن الركض.
 

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية