تسجيل الخروج
هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟
أعادت وزارة الصحة والسكان الجدل حول مهنة "القابلة" أو "الداية" إلى الواجهة مجددًا بعد طرح الاستراتيجية الوطنية للقبالة في مصر 2023-2030، والتي تستهدف دمج القابلات في منظومة الرعاية الصحية للأم والطفل، للمساهمة في مواجهة النقص في أعداد الأطباء والتمريض، والحد من معدلات الولادة القيصرية غير المبررة.
وتمنح الاستراتيجية القابلة دورًا في تقديم الدعم والرعاية والمشورة للمرأة خلال فترات الحمل والولادة وما بعدها، إلى جانب رعاية المواليد والرضع، وفي المقابل أبدت جهات رسمية ومهنية، من بينها المجلس القومي للمرأة، والمجلس القومي للطفولة والأمومة، والنقابة العامة للأطباء، تحفظات على بعض بنود الاستراتيجية، مؤكدة ضرورة أن يكون عمل القابلات تحت إشراف طبي مباشر وداخل المنشآت الصحية المرخصة فقط.
ويستعرض هذا التقرير ملامح الاستراتيجية الوطنية للقبالة، والميثاق الوطني لتعزيز الرعاية الآمنة والكريمة أثناء الحمل والولادة، وآراء الخبراء حول حدود صلاحيات القابلات ودورهن داخل المنظومة الصحية.
الاستراتيجية الوطنية للقبالة
طرحت وزارة الصحة والسكان «الاستراتيجية الوطنية للقبالة في مصر 2023-2030»، بما يتوافق مع أهداف برنامج القبالة التابع لصندوق الأمم المتحدة للسكان للفترة 2018-2030، والاستراتيجية العربية لمهنتي التمريض والقبالة للفترة 2022-2030.
وتهدف الاستراتيجية إلى معالجة النقص في أعداد الأطباء والممرضين ومساعديهم، إلى جانب المساهمة في خفض معدلات العمليات القيصرية غير المبررة، من خلال دمج القابلات ضمن فرق الرعاية الصحية.
ضم القابلات للفريق الطبي
وأكدت الاستراتيجية أن دمج القابلات في قطاع الصحة أصبح ضرورة ملحة في ظل نقص القوى البشرية الصحية، حيث يمكن للقابلات المساهمة في سد جزء من هذا العجز، نظرًا لارتباطهن المباشر بالمجتمع ومعرفتهن باحتياجاته الصحية، بما يسهم في تحسين فرص حصول النساء على خدمات الرعاية الصحية.
من هي القابلة؟
تعرف الاستراتيجية القابلة بأنها مهنية مؤهلة تعمل بالشراكة مع النساء لتقديم الدعم والرعاية والمشورة اللازمة خلال فترات الحمل والولادة وما بعد الولادة، كما تقوم بإجراء الولادات تحت مسؤوليتها المهنية، وتقديم الرعاية للمواليد والرضع.
وتشمل مهامها الإجراءات الوقائية، وتعزيز الولادة الطبيعية، واكتشاف المضاعفات لدى الأم والطفل، والإحالة إلى الرعاية الطبية المناسبة عند الحاجة، إلى جانب تنفيذ بعض الإجراءات الطارئة وفقًا للتدريب والتأهيل المخصص لها.
كما تلعب القابلة دورًا مهمًا في التثقيف الصحي، وإعداد المرأة للحمل والولادة والأمومة، وقد يمتد دورها إلى تقديم المشورة في مجالات الصحة الإنجابية ورعاية الرضع والأطفال الصغار.
وتشير الاستراتيجية إلى إمكانية ممارسة القابلة عملها في أماكن مختلفة، تشمل المستشفيات والوحدات الصحية والعيادات، بل وحتى المنازل.
موقف الجهات الرسمية
في المقابل، أعلن المجلس القومي للمرأة، والمجلس القومي للطفولة والأمومة، والنقابة العامة للأطباء، الانتهاء من إعداد الميثاق الوطني لتعزيز الرعاية الآمنة والكريمة أثناء الحمل والولادة، بمشاركة ممثلين عن الجهات المعنية والجمعيات العلمية المتخصصة في أمراض النساء والتوليد والصحة العامة.
ويهدف الميثاق إلى ضمان حصول المرأة المصرية على ولادة آمنة وكريمة، والارتقاء بجودة خدمات الرعاية الصحية المقدمة للأمهات والأطفال، مع وضع ضوابط واضحة لممارسة المهن المساعدة في مجال التوليد.
تفعيل تحت إشراف الطبيب
ونص الميثاق، ضمن محور تنمية الموارد البشرية وبناء القدرات، على تفعيل برنامج القابلات القانونيات للمساعدة في الولادات، على أن يتم ذلك تحت إشراف الطبيب المختص، مع تدريب الفرق الطبية على الرعاية التوليدية الآمنة، والطوارئ التوليدية، واستخدام الأدلة الإرشادية والبروتوكولات المعتمدة.
كما دعا إلى الاستعانة بالأخصائيين الاجتماعيين ومقدمي المشورة لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأمهات أثناء الولادة.
خدمات محددة
يقول الدكتور عبد الحميد عطية، أستاذ أمراض النساء والتوليد بجامعة القاهرة ورئيس لجنة الأدلة الإرشادية لأمراض النساء والتوليد بالمجلس الصحي المصري، إن القابلة هي ممارس صحي مرخص له بتقديم خدمات محددة للأم قبل الولادة وأثناءها وبعدها، وكذلك للأطفال حديثي الولادة.
وأوضح أنها تعمل ضمن فريق طبي يضم طبيب النساء والتوليد، حيث تقدم المشورة الصحية للحامل بشأن التغذية والرضاعة والنشاط البدني، كما تساعد في إعداد الحامل للولادة الطبيعية، وتقيس الوزن وضغط الدم والنبض، وتتابع حالة الجنين والحمل الطبيعي، بما يتيح للطبيب التفرغ للحالات الأكثر تعقيدًا وخطورة.
مهام متداخلة تحت المظلة الطبية
وأوضح د. عبد الحميد، أن المهام التي تقوم بها القابلة تستند إلى تأهيل علمي ودراسات متخصصة، تبدأ من البكالوريوس والدبلومات المهنية وصولًا إلى الدراسات العليا، مؤكدًا أن ممارستها لهذه المهام لا تمثل إخلالًا بمهنة الطب أو مخالفة لقواعد مزاولة المهنة، طالما تتم في إطار منظومة صحية منظمة وتحت إشراف الطبيب المختص.
وأشار إلى أن الطبيب يظل المسئول عن اتخاذ القرارات الطبية والتدخل عند الضرورة، خاصة في الحالات التي تستدعي إجراءات علاجية أو جراحية، وهو ما يعزز من فرص الولادة الآمنة ويحافظ على صحة الأم والجنين.
قواعد عمل صارمة
وشدد أستاذ أمراض النساء والتوليد على أن القابلة لا يجب أن تقوم بإجراء الولادات داخل المنازل، وإنما داخل المستشفيات أو المراكز الطبية المرخصة فقط، لضمان توافر الإمكانات الطبية اللازمة للتعامل مع أي مضاعفات طارئة قد تحدث أثناء الولادة.
وأضاف أن الطبيب المختص هو صاحب القرار النهائي في تحديد ما إذا كانت الولادة طبيعية أو تحتاج إلى تدخل طبي أو جراحي، كما أنه المسئول عن التعامل مع أي مشكلات قد تطرأ أثناء عملية الوضع، مثل اضطرابات نبض الجنين، أو ضعف انقباضات الرحم، أو تعسر الولادة، مؤكدًا أن وجود الطبيب إلى جانب القابلة يمثل ضرورة أساسية لضمان سلامة الأم والطفل.
عجز شديد في أعداد الأطباء
وأشار رئيس لجنة الأدلة الإرشادية لأمراض النساء والتوليد بالمجلس الصحي المصري إلى أن الاستعانة بالقابلات في متابعة حالات الحمل والولادة الطبيعية أمر معمول به في العديد من دول العالم المتقدم، مثل بريطانيا والولايات المتحدة وأستراليا.
وأوضح أن وجود القابلات أصبح ضرورة في مصر في ظل محدودية أعداد أطباء النساء والتوليد مقارنة بأعداد الولادات السنوية التي تقترب من مليوني ولادة سنويًا، لافتًا إلى أن بعض المستشفيات الجامعية أو التابعة لوزارة الصحة تشهد ما بين 50 - 90 حالة ولادة يوميًا، يتعامل معها عدد محدود من الأطباء قد لا يتجاوز ثلاثة إلى خمسة أطباء في بعض الفترات.
وأكد أن القابلة تمثل عنصرًا مساعدًا داخل الفريق الطبي، وتسهم في تخفيف العبء عن الأطباء، بما يسمح لهم بالتركيز على الحالات الأكثر تعقيدًا واحتياجًا للتدخلات المتخصصة.
مخاوف على الأم والطفل
على الجانب الآخر، يرى الدكتور مصطفى سليم، أستاذ أمراض النساء والتوليد بكلية طب قصر العيني، أن الاعتماد على القابلات في متابعة الحوامل أو إجراء الولادات قد يثير العديد من المخاوف المتعلقة بسلامة الأم والطفل، خاصة إذا لم يكن هناك إشراف طبي مباشر ومستمر.
وأوضح أن القابلة قد لا تكون مؤهلة للتعامل مع الحالات الحرجة أو المضاعفات المفاجئة التي قد تحدث أثناء الولادة، مثل النزيف الحاد أو تدهور الحالة الصحية للأم أو الجنين، وهو ما قد يؤدي إلى تأخير التدخل الطبي المطلوب ويعرض حياة الأم أو الطفل للخطر.
وأضاف أن مواجهة النقص في أعداد الأطباء لا يجب أن تتم من خلال إحلال القابلات محل الأطباء، وإنما من خلال زيادة أعداد الأطباء المؤهلين وتدريب أطباء الامتياز بشكل عملي ونظري على مهارات التوليد الطبيعي.
التدريب الطبي ضرورة
وأشار د. مصطفى، إلى أن تأهيل طبيب النساء والتوليد يتطلب تدريبًا مكثفًا ومتابعة مئات حالات الولادة تحت إشراف متخصصين، مؤكدًا أن الطبيب لا يكتسب الكفاءة اللازمة للتعامل مع الولادات الطبيعية والمضاعفات المصاحبة لها إلا بعد خبرة عملية واسعة.
وأوضح أن هذا الأمر يستلزم توفير برامج تدريبية متخصصة وزيادة الحوافز المادية للأطباء، إلى جانب التوسع في برامج الزمالة والتدريب السريري في مجالات التوليد ورعاية حديثي الولادة.
وأضاف أن بعض الأطفال قد يحتاجون فور ولادتهم إلى تدخلات طبية عاجلة، مثل الإنعاش القلبي الرئوي أو دعم التنفس، وهي إجراءات تتطلب وجود فريق طبي مؤهل للتعامل معها في اللحظات الأولى بعد الولادة.
الولادة الآمنة أولوية
وأكد أستاذ أمراض النساء والتوليد أن الهدف الأساسي يجب أن يكون الحفاظ على صحة الأم والطفل وتقليل المضاعفات والوفيات المرتبطة بالحمل والولادة، مشيرًا إلى أن تحقيق هذا الهدف يتطلب توافر كوادر طبية مؤهلة ومنشآت صحية مجهزة قادرة على تقديم الرعاية اللازمة في مختلف الظروف.
كما لفت إلى أن أعداد خريجات كليات التمريض ليست كبيرة بما يكفي لسد الفجوة الحالية، فضلًا عن أن إجراءات متابعة الحمل والولادة الطبيعية تتطلب خبرات ومهارات طبية متخصصة لا يمكن الاستغناء عنها.
بين الحاجة والضوابط
ويبدو أن الجدل حول القابلات في مصر سيظل قائمًا خلال الفترة المقبلة بين مؤيد يرى فيهن جزءًا من الحل لمواجهة نقص الكوادر الطبية وتحسين خدمات الأمومة، ومعارض يخشى من أن يؤدي التوسع في منحهن صلاحيات أكبر إلى تعريض الأمهات والأطفال لمخاطر يمكن تجنبها.
وبين هذين الرأيين، تتفق جميع الأطراف على ضرورة تطوير خدمات الرعاية الصحية للأم والطفل، والالتزام بالمعايير الطبية المعتمدة، وضمان أن يتم أي دور للقابلات داخل إطار قانوني ومهني واضح، وتحت إشراف طبي يحقق أعلى درجات الأمان للسيدات أثناء الحمل والولادة وما بعدها.
هل تريد تفعيل الإشعارات ؟
حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية