تسجيل الخروج

هل تريد حقاً تسجيل الخروج؟

الصفحة الرئيسية > News List > سبوت : 2026 : يوليو : الـ "بدون" حول العالم.. عندما يصبح الإنسان بلا دولة
source icon

يوليو

.

الـ "بدون" حول العالم.. عندما يصبح الإنسان بلا دولة

كتب:سعاد طنطاوي

قيل عنهم "عديمو الجنسية"، وقيل أيضًا "بلا أوراق ثبوتية"، وفي بعض المناطق يُعرفون باسم "البدون"، ورغم تزايد أعدادهم بفعل الحروب والنزاعات، والجهود الدولية المستمرة لإيجاد حلول لهذه الأزمة، فإنهم ما زالوا يعيشون في "منطقة الظل"، خارج حدود المواطنة والهوية القانونية.

وفي هذا التحقيق، ترصد "سبوت" أبعاد القضية، وأسباب تفاقمها، وأبرز الجهود الدولية المبذولة لمعالجتها.

4.4 مليون عديم جنسية
وفقًا للتقارير والخطط التشغيلية للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين، يبلغ عدد الأشخاص المسجلين رسميًا كعديمي الجنسية أو من ذوي الجنسية غير المحددة نحو 4.4 مليون شخص حول العالم، إلا أن المفوضية تؤكد أن الرقم الحقيقي أكبر بكثير بسبب صعوبة حصر جميع الحالات وغياب البيانات الدقيقة في العديد من الدول.

آسيا تتصدر المشهد
تُعد منطقة آسيا والمحيط الهادئ الأكثر احتضانًا لعديمي الجنسية، إذ تضم نحو 58% من إجمالي الحالات عالميًا، وتُعد أقلية الروهينغا في ميانمار من أكبر المجموعات عديمة الجنسية في العالم، حيث يتجاوز عدد أفرادها مليون شخص موزعين بين ميانمار وبنغلاديش.

وتأتي بعد ذلك مناطق في إفريقيا وأجزاء من أوروبا تأثرت بالتفكك السياسي، إضافة إلى مجموعات مختلفة في الشرق الأوسط.

حرمان من أبسط الحقوق
يؤكد الدكتور إكرام بدر الدين، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة وخبير العلاقات الدولية، أن غياب الجنسية يحرم الأفراد من حقوق أساسية عديدة، من بينها التعليم النظامي، والرعاية الصحية، والعمل القانوني، وفتح الحسابات البنكية، والسفر، والمشاركة السياسية والتصويت.

في المنطقة العربية والشرق الأوسط تتشابك أسباب انعدام الجنسية بين عوامل تاريخية تعود إلى مراحل تأسيس الدول ورسم الحدود، وأسباب حديثة فرضتها الحروب والنزوح والصراعات المسلحة.

وتشير تقديرات المفوضية والمنظمات الإقليمية إلى وجود مئات الآلاف من عديمي الجنسية في المنطقة، مع تركز النسب الأكبر في بعض دول الخليج العربي.

دول الخليج والبدون
يوضح د. بدر الدين أن مصطلح "البدون" يُستخدم للإشارة إلى عديمي الجنسية في بعض دول الخليج، وتُعد الكويت من أبرز الدول التي تضم هذه الفئة تاريخيًا، إذ تعود جذور الأزمة إلى فترة الاستقلال عام 1961، عندما لم يسجل بعض سكان البادية والقبائل الرحل أنفسهم ضمن سجلات الجنسية الأولى، إما لعدم إدراكهم أهمية التسجيل أو بسبب طبيعة حياتهم المتنقلة، وتصفهم الجهات الرسمية حاليًا بـ "المقيمين بصورة غير قانونية".

كما توجد في السعودية والإمارات فئات مشابهة تضم أفرادًا أو قبائل لم يتم توثيق أوضاعهم القانونية بصورة كاملة خلال مراحل تأسيس الدول والحدود الحديثة.

سوريا ولبنان.. الملف الكردي
لا يمكن الحديث عن انعدام الجنسية في المنطقة دون التطرق إلى الملف الكردي، ففي سوريا تعود الأزمة إلى إحصاء عام 1962 بمحافظة الحسكة، الذي جُرد بموجبه عشرات الآلاف من الأكراد من الجنسية السورية، وصُنِّفوا كـ"أجانب الحسكة" أو "مكتومي القيد".

ورغم صدور مرسوم عام 2011 لمنح الجنسية لفئة "الأجانب"، فإن فئة "مكتومي القيد" ما زالت تعاني من تعقيدات قانونية زادتها الأزمة السورية تعقيدًا.

أما في لبنان، فتوجد فئات من الأكراد وعدد من "مكتومي القيد" الذين لم تشملهم عمليات التسجيل الرسمية عبر عقود طويلة.

العراق.. من الكورد الفيليين إلى اللاورقيين

ويشير د. بدر الدين إلى أن العراق شهد بدوره حالات واسعة من انعدام الجنسية، خاصة بين الكورد الفيليين الذين جُردوا من جنسيتهم خلال ثمانينيات القرن الماضي.

ورغم صدور قوانين بعد عام 2003 لإعادة الحقوق لهم، فإن بعض العائلات ما زالت تواجه صعوبات إجرائية في استعادة وثائقها.

كما ظهرت خلال السنوات الأخيرة أزمة "اللاورقيين" في مناطق مثل نينوى والأنبار، نتيجة تدمير السجلات المدنية خلال الحرب ضد تنظيم داعش.

الفلسطينيون.. وضع استثنائي
تتعامل الأمم المتحدة مع اللاجئين الفلسطينيين بوضع قانوني خاص، ورغم أن ملايين الفلسطينيين في الشتات لا يحملون جنسية دولة كاملة السيادة تمنحهم حماية دبلوماسية شاملة، فإنهم يخضعون لولاية وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، ولذلك لا تُدرج أعدادهم بالكامل ضمن الإحصاءات العامة لعديمي الجنسية.

أزمات جديدة 
يشير د. إكرام بدر الدين إلى أن المنطقة تشهد حاليًا عوامل جديدة تزيد من تفاقم الأزمة، أبرزها النزوح الجماعي، وتدمير سجلات الأحوال المدنية، والتمييز الجندري في قوانين الجنسية.

التمييز ضد المرأة
في عدد من الدول العربية لا تزال القوانين تقيد قدرة الأم على منح جنسيتها لأطفالها، ومع تزايد أعداد الأسر التي تعولها النساء بسبب الحروب والوفاة والاعتقال، يصبح الأطفال أكثر عرضة لخطر انعدام الجنسية، خاصة عند غياب الأب أو تعذر إثبات النسب.

تدمير السجلات الرسمية
كما أدت الصراعات المسلحة في سوريا والعراق واليمن وليبيا إلى تدمير مئات المكاتب والسجلات المدنية، ما جعل إعادة إثبات الهوية القانونية للمواطنين مهمة معقدة تحتاج إلى جهود طويلة وإصلاحات تشريعية وإدارية واسعة.

الجنسية.. هوية وانتماء
من جانبه، يؤكد المستشار عبد المجيد جابر، المحامي بالنقض والإدارية العليا والدستورية العليا ورئيس مجلس إدارة مؤسسة حورس للمحاماة والاستشارات القانونية، أن الجنسية ليست مجرد وثيقة أو جواز سفر، بل رابطة قانونية وسياسية بين الفرد والدولة، يترتب عليها الحقوق والواجبات وتمثل أساس الانتماء القانوني للمواطن.

حق الدم وحق الإقليم
ويشير إلى أن الدول تختلف في نظم اكتساب الجنسية، فبعضها يعتمد على "حق الدم"، وبعضها على "حق الإقليم"، بينما يجمع البعض الآخر بين النظامين وفقًا لتشريعاته الوطنية.

ويوضح أن كل دولة تحتفظ بسيادتها الكاملة في تنظيم قوانين الجنسية الخاصة بها، مع التزامها بالاتفاقيات الدولية المتعلقة بخفض حالات انعدام الجنسية ومنع الحرمان التعسفي منها.

الجنسية المصرية 
ويشير المستشار جابر إلى أن قانون الجنسية المصري رقم 26 لسنة 1975 نظم قواعد اكتساب الجنسية وفقدها وردها، وأجاز في حالات محددة استرداد الجنسية المصرية وفق إجراءات وشروط قانونية معينة.

كما أوضح أن حالات التنازل عن الجنسية ثم فقدان الجنسية المكتسبة تختلف من شخص لآخر، ولا يمكن إصدار حكم قانوني موحد عليها دون دراسة ظروف كل حالة على حدة.

جهود أممية مستمرة
تقود المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين جهودًا دولية واسعة للقضاء على الظاهرة، من أبرزها حملة "أنا أنتمي" التي انطلقت عام 2014 واستمرت حتى نهاية 2024.

وأسهمت الحملة في تعديل قوانين الجنسية في عشرات الدول، ومنحت الجنسية لأكثر من نصف مليون شخص كانوا عديمي الجنسية.

كما أُسس التحالف العالمي للحد من انعدام الجنسية ليواصل العمل بعد انتهاء الحملة، ويضم حكومات ومنظمات مجتمع مدني وخبراء وأشخاصًا سبق أن عاشوا تجربة انعدام الجنسية.

الإصلاح التشريعي وتسجيل المواليد
تركز الأمم المتحدة على دعم الدول لتعديل قوانين الجنسية، خاصة القوانين التي تمنع النساء من نقل الجنسية لأبنائهن، إلى جانب دعم برامج تسجيل المواليد وإصدار شهادات الميلاد مجانًا في المناطق النائية ومخيمات اللاجئين.

وثائق سفر بديلة
لأن عديم الجنسية لا يمتلك دولة تمنحه جواز سفر، أوجد القانون الدولي بدائل مثل وثائق السفر الخاصة باتفاقية عام 1954، التي تتيح لحاملها السفر والعودة إلى دولة الإقامة القانونية.

كما توجد وثائق إنسانية أخرى تصدر في ظروف استثنائية، مثل وثائق الصليب الأحمر ووثائق المرور المؤقتة الصادرة بالتنسيق مع الأمم المتحدة.

التحدي الأكبر
ورغم كل هذه الجهود، تبقى السيادة الوطنية للدول العقبة الأساسية أمام إنهاء الظاهرة بشكل كامل، فالقانون الدولي يستطيع التوصية والدعم، لكن قرار منح الجنسية أو تعديل قوانينها يظل حقًا سياديًا خالصًا لكل دولة، وفقًا لاعتباراتها السياسية والديموغرافية.

قفزات تاريخية
ورغم التحديات، نجحت بعض الدول في تحقيق إنجازات لافتة، فقد أصبحت قيرغيزستان أول دولة في العالم تنهي ملف انعدام الجنسية بالكامل بعد تجنيس أكثر من 13 ألف شخص خلال سنوات قليلة.

كما منحت أوزبكستان وتركمانستان الجنسية لعشرات الآلاف من الأشخاص، بينما اعترفت كينيا رسميًا ببعض المجموعات السكانية التي ظلت لعقود خارج إطار المواطنة.

ويبقى الأمل قائمًا في أن تنجح الجهود الدولية والإصلاحات الوطنية في منح ملايين البشر حقًا أساسيًا طال انتظاره؛ الحق في الهوية والانتماء والمواطنة

هل تريد تفعيل الإشعارات ؟

حتي لا يفوتك أخر الأخبار المصرية والعالمية